الاثنين، 21 ديسمبر 2020

يهوذا وإسرائيل الضائعتان في جبال زاغروس 2 - لغز أشجار الجبل المقدس "لبنان" بين نبوخذنصر التاريخي وسليمان التوراتي


يهوذا وإسرائيل الضائعتان في جبال زاغروس 2
لغز أشجار الجبل المقدس "لبنان" بين نبوخذنصر التاريخي وسليمان التوراتي







صفوت صافي
ديسمبر 2020




تنويه لا بدّ منه:

1- تندرج هذه المادة في اطار اﻷبحاث الكثيرة الرامية للعثور على الجغرافية الحقيقية لقصص التوراة.

2- احتلال فلسطين وإقامة كيان للشعب اليهودي فيها كان ولا يزال بناء على قرارات جيوسياسية للقوى العظمى، وليس بسبب قصص قديمة ووعد مذكور في كتاب عتيق.

3- البحث عن جغرافية التوراة لا يعني بأي شكل من الأشكال الدعوة لاحتلال أرض بدل فلسطين، فليس من حق الحركة الصهيوينة احتلال فلسطين ولا أية أرض أخرى في العالم.




ملاحظة:

مراجع المعلومات والكتب والتقارير والصور وصفحات اﻷنترنت متاحة في المادة عند ذكرها على شكل روابط تشعبية تتيح الانتقال إلى المصدر أو صفحة تتحدث عنه.


____________________________________________________

تمهيد:




في مادتي السابقة "يهوذا وإسرائيل الضائعتان في جبال زاغروس – رحلتي في البحث عن جغرافية التوراة"، قلت أني بعد قضاء سنوات محاولا اكتشاف جغرافية التوراة في فلسطين والجزيرة العربية وفشلي في العثور عليها، انتقلت إلى اﻷهواز في خوزستان ﻷجد نفسي قادرا على تخيّل يهوذا بكل سهولة أثناء قراءة النص التوراتي في أحضان جبال زاغروس، بل وأكثر من ذلك صار بالامكان فك ألغاز كثير من القضايا التي كانت عصية على الفهم في التوراة في جغرافية مختلفة عن الجغرافية التي وضع كتبة التوراة قصصهم عليها.


___________________________________________________


لغز أشجار الجبل المقدس "لبنان" بين نبوخذنصر التاريخي وسليمان التوراتي



في ملحمة جلجامش السومرية ينطلق البطل من مدينة أوروك في قلب العراق نحو الشرق ليقاتل خمبابا حارس غابة اﻷرز (ERIN) في الجبل السابع على مسافة سبعة أيام، "ليضع اسمه في سجل اﻵلهة واﻷبطال الخالدين" (من ملحمة كلكامش – طه باقر)، والمكان الوحيد الذي يصلح مسرحا لهذه القصة هو جبال زاغروس في المنطقة الواقعة شمال اﻷهواز والعمارة.


أما في قصة الملك سليمان (990 – 931 ق.م) التوراتية فقد جعلت الجغرافية التي اتخذت من فلسطين مسرحا ﻷحداث التوراة غابات اﻷرز في لبنان مصدرا لهذه اﻷخشاب الثمينة، وليس على حيرام ملك صور (اللبنانية) إلا أن يحمل اﻷخشاب برا مسافة 30 كم إلى ساحل البحر أو مسافة 130 كم إلى ميناء صور ليحملها في السفن مسافة 150 كم إلى بحر يافا في فلسطين، وبعدها يقوم حمالو سليمان بحمل تلك اﻷخشاب إلى القدس (أورشليم التوراتية) مسافة 55 كم في البر.


وعندما عُثر على النقوش واﻷلواح البابلية واﻷشورية، وبناء على الاسقاط التوراتي السابق، اعتمد المترجمون على ذات الجغرافيا ليضعوا غابة اﻷرز المقدس في لبنان على مسافة ألف كم تقريبا من بابل.


فأين تقع جبال الأرز أو السيدار المقدس (ERIN) التي تتحدث عنها هذه القصص، هل في جبال زاغروس أم في لبنان البلد العربي؟



حكاية نبوخذنصر الثاني (634 562 ق.م) مع جبل اﻷشجار المقدس:


على موقع (http://oracc.museum.upenn.edu/ribo/babylon7) يوجد عدد كبير من اﻷلواح والنقوش البابلية والأشورية مفرغة ومترجمة، وهناك يمكن قراءة نقوش نبوخذنصر والبحث عن النقوش المتعلقة بقصة هذه المادة:


في النقش (Nebuchadnezzar II 001 Nebuchadnezzar II Babylon Stele):

“I mustered all lands everywhere, every single ruler whose head had been raised up among the totality of the people of the inhabited world as one loved by the god Marduk, from the Upper Sea to the Lower Sea, the far-off lands, the widespread people of the inhabited world, kings of remote mountains and distant islands that are in the Upper and Lower Seas, whose lead-rope(s) the god Marduk, my lord, placed in my hand to pull his chariot pole, and I imposed corvée-duty on the workmen of the gods Šamaš and Marduk to build Etemenanki and Eurmeiminanki. “


وهنا ترجمة تقريبية:

“جمعت كل الأراضي في كل مكان ، كل حاكم رفع رأسه بين جموع شعوب العالم المسكون كواحد محبوب من الإله مردوخ ، من البحر اﻷعلى إلى البحر الأدنى ، الأراضي البعيدة ، الشعب المنتشر في العالم المسكون ، ملوك الجبال النائية والجزر البعيدة الموجودة في البحار العليا والبحار السفلى ، الذين وضعهم سيدي الإله مردوخ في يدي لسحب عربته ، وفرضت السخرة على عمال الآلهة شمش و ومردوخ لبناء إيتيمناننكي وأورميمينانكي.”


فقد سيطر نبوخذنصر على كل اﻷراضي الواقعة بين البحر العالي والبحر السفلي وملوك وشعوب تلك البلاد النائية وفرض عليهم السخرة للعمل في هياكل الإلهين شمش ومردوخ.


وفي النقش (Nebuchadnezzar II 002 Nebuchadnezzar II ST):

يرد النص التالي:

“Through his exalted support, I repeatedly traveled through far off lands, remote mountains, from the Upper Sea to the Lower Sea, difficult paths, obstructed roads, where access was blocked and approach was not possible, difficult roads, and thirty paths, and killed in-submissive, bound enemies, put the land in order, and made the people prosper. From the people, I drove away the criminals and villains.”


والترجمة:

“"عبر دعمه الفائق ، سافرت مرارًا وتكرارًا عبر الأراضي البعيدة والجبال البعيدة ، من البحر العلوي إلى البحر السفلي ، والطرق الصعبة ، والطرق محكمة اﻹغلاق ، حيث المنافذ موصدة والاقتراب مستحيلا ، طرق صعبة ، وثلاثين مسارًا ، قتلت الأعداء الخاضعين والمقيدين ، نظمت الأرض ، وجعلت الشعب يزدهر. ومنه طردت المجرمين والأشرار.”


ويضيف:

“I had silver, gold, precious (and) valuable stone(s), copper, musukkannu-wood, cedar, anything that is valuable, gleaming produce, the yield of the mountains, the wealth of the seas, substantial tribute, lavish gift(s) brought into my city, Babylon, into his (Marduk’s) presence, and I provisioned Esagil, the palace of his lordly majesty.”


“أخذت فضة، ذهبا، أحجارا ثمينة، نحاسا ، خشب موسكانو ، أرز (سيدار)، كل ذي قيمة، لامع، غلة الجبال، ثروة البحار، جزية كبيرة، هدايا سخية، إلى مدينتي بابل، إلى حضرة (مردوخ)، زودت بالمؤن قصر جلالته إيزاجيل.”


ثم يقول:

“ My heart dearly wanted me to (re)build Esagil (and) I was constantly attentive (towards it). I constantly sought out the best of my cedar that I had carried off from Mount Lebanon, the holy forest, to be the roof of Eumuša, the cella of his supreme power, and (my) mind pondered about (it). I clad the (beams of) hard cedar for the roof of Eumuša with bright gold. I decorated the šīpus below the cedar roof with gold and precious stone(s). I prayed all day to the king of the gods, the lord of lords (Marduk) to (re)build Esagil.”


“لقد أراد قلبي بشدة إعادة بناء إيزاجيل (و) كنت منتبهًا دائمًا (تجاهه). لقد بحثت باستمرار عن أفضل ما لدي من أرز (سيدار) حملته من جبل لبنان، الغابة المقدسة، ليكون سقفا ليوموشا، قلب المعبد لقوته العليا، وفكر عقلي في ذلك. غطيت (عوارض) الأرز الصلب لسقف يوموشا بذهب لامع. لقد زينت (šīpus) الموجود أسفل سقف الأرز بالذهب والأحجار الكريمة. صليت طوال اليوم لملك الآلهة ، سيد اﻷرباب (مردوخ) لإعادة بناءإيزاجيل.”

حيث وردت كلمة جبل لبنان في النص اﻷصلي بصيغة (KUR.la-ab-na-nim)

واﻷرز بـ: (EREN-ia)



تقول هذه المقاطع من السجلات الملكية لنبوخذنصر الثاني، أنه سيطر على المنطقة الواقعة بين البحر العلوي والسفلي، وأنه سيطر على كل شعوب المنطقة بما فيها شعوب الجبال الوعرة العصية، وقتل العصاة المجرمين، وأحضر الفضة والذهب واﻷخشاب وكل ما هو ثمين إلى بابل، ثم يضيف أنه سيجعل خشب اﻷرز (السيدار) لبناء الهيكل.


اعتبر مترجمو النص جبل لبنان (كور لبنانيم) هو جبل لبنان في البلد العربي لبنان وبذلك تنسجم الترجمة مع اسقاط جبل لبنان في التوراة على ذات المكان.

مما يعني أن جنود نبوخذنصر وعماله سيحملون أطنانا من اﻷخشاب وينزلون ويصعدون بها الجبال ويقطعون البراري مسافة تزيد عن 800 كم، وهو أمر لا يمكن تخيله ضمن اﻹماكنيات العلمية والتقنية التي كانت متوفرة في ذلك الزمن.


في حين أن ألواحا معروضة في متحف اللوفر ترجع إلى زمن الملك اﻷشوري سرجون الثاني (762 – 705 ق.م)، تصف بدقة كيف كانت تتم عملية نقل اﻷخشاب الضخمة والثقيلة من أعالي الجبال حيث ينمو اﻷرز أو السيدار أو غيرها من اﻷشجار التي تقدم أخشابا ثمينة ذات جودة عالية لوتضع في الهياكل والقصور.


نقل اﻷخشاب بالسفن(رابط الصورة):





فاللوحة توضح أن الألواح الثقيلة والطويلة من اﻷخشاب كان يتم نقلها عبر ربطها بسفن تنتقل بالتجديف(الصورة أعلاه).

وضع المتحف شرحا للصورة: “كانت الأخشاب ضرورية لبناء قصور ضخمة ، لكن آشور كانت تفتقر إلى الأخشاب الجيدة. اشتهر لبنان بغابات الأرز ، ومنذ نهاية الألفية الثانية ، استورد الملوك الآشوريون الخشب من هذه المنطقة كما توضح النقوش المسمارية. الأشجار التي قُطعت في الجبال اللبنانية نُقلت من صيدا إلى ميناء جنوب صور. تم تحميل الأخشاب على السفن التي أبحرت شمالاً على طول الساحل الفينيقي ، محاذية لصور ثم رواد ؛ تم تفريغها بلا شك عند مصب نهر العاصي. من هناك يمكن نقل الأخشاب إلى آشور عن طريق النهر أو الطريق.”


وهذا اقتراح لطريق عجيب لا يمكن أبدا أن يكون منطقيا أو معقولا، فعاصي ينبع من سهل البقاع ويصب في المتوسط، وبعيد كل البعد عن الفرات، الذي يمكن أن يوصل هذه اﻷخشاب إلى أشور أو بابل.

ثم ينقلها العمال إلى الهياكل أو القصور (رابط الصورة):



بهذه التقنية التي كانت متاحة في ذلك الوقت يمكن تخيل كيف كانت تُنقل اﻷخشاب من جبال زاغروس عبر اﻷنهار التي تصب في دجلة، ثم تنقل بعدها برا في أرض منبسطة بضعة مئات اﻷمتار إلى المعابد والقصور التي أحضرت من أجلها، لكن هذه التقنية لم تكن كفيلة بنقل اﻷخشاب من لبنان البلد العربي إلى قلب العراق.


وهنا يجدر طرح السؤال التالي: ما الذي يجعل دولة مركزها في قلب العراق تستنفذ مواردها اﻹقتصادية من أجل إحضار أخشاب من مناطق نائية (دون وجود آليات ثقيلة قادرة على القيام بذلك) وهي متوفرة ويمكن إحضاها بسهولة عبر اﻷنهار من جبال زاغروس؟

فهل عرفت جبال زاغروس الشاهقة أشجار اﻷرز أو ما يشبها من أشجار باسقة ذات رائحة مميزة وأخشاب قوية تصلح لبناء المعابد والهياكل والقصور كالتي تصفها السجلات واﻷساطير القديمة لبلاد ما بين النهرين؟

اﻷشجار في جبال زاغروس:

في كتاب "غابات إيران: كنز من الماضي، أمل للمستقبل" يقول مؤلفو الكتاب في الصفحة 10:

“لا توجد بيانات دقيقة حول مساحة الغابات في القرون السابقة ، فعلى الرغم من التاريخ الثقافي الطويل لإيران، نحن نعلم فقط أن الحضارات القديمة في إيران (اﻷخمينيون، الساسنيون، إلخ..) ، استخدمت الخشب والجذوع الكبيرة في مبانيها وقصورها وحدائقها الملكية. كانت القاعات الكبيرة في برسيبوليس الشهيرة مبنية من الحجارة الكبيرة والأعمدة الخشبية، والتي كانت من أشجار العرعر والأرز والسرو.”

ويضيف في فصل زاغروس من الكتاب:

“من وجهة نظر جغرافية ، تنقسم غابات زاغروس إلى قسمين رئيسيين: الغابات المستمرة والغابات المنتشرة. تغطي نباتات غابات زاغروس المستمرة مساحة شاسعة من سلاسل جبال زاغروس الممتدة من منطقة بيران (غبر حسين) بالقرب من بيرانشهر في شمال غرب إيران (مقاطعة أذربيجان الغربية) إلى محيط فيروز آباد (مقاطعة فارس) ، بمتوسط ​​طول وعرض 1300 و 200 كيلومتر على التوالي. تتوزع هذه الغابات عبر عشر مقاطعات بما في ذلك أذربيجان الغربية وكردستان وكرمانشاه ولورستان وشهارمحال وبختياري وكوجيلويه وبوير أحمد وإيلام وخوزستان وأصفهان وفارس. تم تصنيف غابات زاغروس على أنها غابات شبه قاحلة بمساحة حوالي ستة ملايين هكتار تمثل ما يقرب من 44٪ من غابات البلاد. هذه الغابات هي الأكثر أهمية فيما يتعلق بإمدادات المياه والحفاظ على التربة وتغير المناخ والتوازن الاجتماعي والاقتصادي للبلد بأكمله. سبعة أنهار من الدرجة الأولى، تحمل 34.5 مليار متر مكعب من المياه وتمثل 40٪ من إجمالي المياه الجوفية للبلاد، ترتفع في جبال زاغروس وتتدفق إلى السهول الخصبة. إن وجود هذه الموارد المائية يعتمد بشكل مباشر على وجود هذه الغابات. أدت الإمكانات البيئية العالية ، وخاصة امتلاك إمدادات المياه الغنية ، إلى كثافة سكانية عالية في المنطقة.”

خريطة الغطاء النباتي لغرب إيران ، معممة قليلا. تظهر الأرقام مواقع عينات سطح حبوب اللقاح في المقاطع الأربعة المميزة بالمناطق البيضاوية(نفس الكتاب)


وعن شجر العرعر اليوناني: “ينمو عند خط الأشجار في منطقة زاغروس على ارتفاعات عالية في مقاطعات لورستان وكوجيلوي وبوير أحمد وشهارمهال وبختياري وفارس. وتشمل أشجار العرعر المتناثرة المختلطة مع أنواع من التكوينات الأخرى ذات الارتفاعات المنخفضة. تصل حدود التوزيع العليا لهذا النوع إلى 3400 m.a.s ، وهي من أعلى المرتفعات لتوزيع العرعر في العالم”.

توزيع أشجار العرعر في إيران حاليا (المصدر)


ويؤكد الكتاب على أن التغير المناخي والاستهلاك الجائر أدى إلى تراجع مساحات الغابات في المنطقة.

ويذكر تقرير "تحقيقات علم الحفريات في غرب إيران” عام 1977 أن "بابوت Pabot (1960) يفترض أن غابة العرعر (مع بعض Lonicera و Amygdalus و Daphne بالإضافة إلى Juniperus excelsa) كانت موجودة في ارتفاعات تتراوح بين 2500 و 3000 م.”

وفي ذات السياق يقترح روبرت ج. هانزمان في كتابه "Gilgamesh, Humbaba and the Land of the Erin-Trees” جلجامش، همبابا وأرض أشجار Erin (المذكورة في السجلات واﻷساطير السومرية والبالبية) ليست إلا "Juniperus excelsa أو العرعر اليوناني أو الفارسي الذي ينمو في إيران والقوقاز وتركيا وسوريا ولبنان وفي جميع أنحاء العراق” ويعتبر أن أشجار Erin ليست إلا أشجار العرعر التي تتميز بلونها الفاتح ورائحتها الزكية عند حرقها وصلابتها وجودتها في البناء، والتي لا زالت قائمة في جبال زاغروس وأفضل مثال منطقة إيلام قرب الحدود العراقية.


يتوفر عدد كبير من التقارير حول هذا الموضوع قامت بها جامعات إيرانية وغربية حول اﻷشجار الغابات في منطقة زاغروس، وكلها تؤكد وجود أدلة على تنوع اﻷشجار في الغابات والمنطقة والتي تتلخص في أشجار البلوط بأنواعه والفستق بأنواعه واللوز بأنواعه إضافة إلى العرعر وأشجار الزيتون في الشمال.

ومن بينها هذا التقرير لباحثين إيرانيين حول علم النبات العرقي في إيران، حيث يقول (Ethnobotany of Juniperus excelsa M. Bieb.-(Cupressaceae) in Iran):

“بيانات نباتات إثنوبوتانية لـ Juniperus excelsa M. Bieb (العرعر) في إيران موثقة من مختلف وجهات النظر التاريخية والدينية والأدبية واللغوية والصيدلانية. تم إجراء رحلات ميدانية إلى مناطق مختلفة من في إيران خلال الفترة 2006-2010 لجمع المعلومات الإثنية النباتية حول النبات. تكشف الدراسة الحالية أن J. excelsa (العرعر) يعتبر شجرة متعددة الأغراض من قبل السكان الأصليين لإيران ، وقد تم استخدامها كدواء ، وبخور ، ومواد لتشييد المباني ، والسياج ، وأدوات منزلية مختلفة وديكور. وتحترمها بعض القبائل التركمانية والكردية في إيران باعتبارها شجرة "مقدسة".”




وهنا تقرير مصور عن أشجار العرعر في جبال زاغروس العراقي على الرابط المرفق.



عرعر فارسي


بناء على المعطيات العلمية السابقة حول ثروة اﻷشجار في جبال زاغروس وجود شجرة العرعور المميزة دون نسيان غابات السرو واﻷرز التي تغطي مساحات شاسعة في المنطقة الواقعة شمال جبال زاغروس المطلة على بحر قزوين مثل غابات مازندران الشهيرة وغيرها، وبربط هذه الوفرة في اﻷشجار بوفرة اﻷنهار يمكن فهم ملحمة جلجامش وسجلات البابليين واﻷشوريين والجبل المقدس ذي أشجار (ERIN) أنها ليست سوى أشجار العرعر وغيرها من اﻷشجار المتوفرة في المنطقة، وبالتالي فإن عملية نقلها إلى بابل وأشور كانت تتم عبر نهر دجلة واﻷنهار التي تصب فيه ومن بينها نهر ديالى ونهر العظيم وغيرها من اﻷنهار في منطقة العمارة.

أقدم شجرة سيدار شمال إيران


بناء على هذه الفرضية التي يمكن على أساسها إدراك ما كانت تقصده ألواح بلاد الرافدين القديمة، يمكن إعادة قراءة قصص التوراة في إطار هذه الجغرافية مما سيجعل كثيرا من اﻷمور التي استعصى فهمها في جغرافية فلسطين واعتُبرت من المستحيلات ممكنا وقابلا للتحقق.




سليمان وحيرام ملك صور وترشيش التي عبرها كانت تُجلب الطواويس والقرود من الهند:


يضع الخط الزمني لقصص التوراة الملك سليمان في الفترة 990 – 931 ق.م، وفي تلك الفترة يقول في سفر الملوك اﻷول-5:


“2 فَأَرْسَلَ سُلَيْمَانُ إِلَى حِيرَامَ يَقُولُ:

3 «أَنْتَ تَعْلَمُ دَاوُدَ أَبِي أَنَّهُ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَبْنِيَ بَيْتًا لاسْمِ الرَّبِّ إِلهِهِ بِسَبَبِ الْحُرُوبِ الَّتِي أَحَاطَتْ بِهِ، حَتَّى جَعَلَهُمُ الرَّبُّ تَحْتَ بَطْنِ قَدَمَيْهِ.

4 وَالآنَ فَقَدْ أَرَاحَنِيَ الرَّبُّ إِلهِي مِنْ كُلِّ الْجِهَاتِ فَلاَ يُوجَدُ خَصْمٌ وَلاَ حَادِثَةُ شَرّ.

5 وَهأَنَذَا قَائِلٌ عَلَى بِنَاءِ بَيْتٍ لاسْمِ الرَّبِّ إِلهِي كَمَا كَلَّمَ الرَّبُّ دَاوُدَ أَبِي قَائِلًا: إِنَّ ابْنَكَ الَّذِي أَجْعَلُهُ مَكَانَكَ عَلَى كُرْسِيِّكَ هُوَ يَبْنِي الْبَيْتَ لاسْمِي.

6 وَالآنَ فَأْمُرْ أَنْ يَقْطَعُوا لِي أَرْزًا مِنْ لُبْنَانَ، وَيَكُونُ عَبِيدِي مَعَ عَبِيدِكَ، وَأُجْرَةُ عَبِيدِكَ أُعْطِيكَ إِيَّاهَا حَسَبَ كُلِّ مَا تَقُولُ، لأَنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَنَا أَحَدٌ يَعْرِفُ قَطْعَ الْخَشَبِ مِثْلَ الصِّيْدُونِيِّينَ».

7 فَلَمَّا سَمِعَ حِيرَامُ كَلاَمَ سُلَيْمَانَ، فَرِحَ جِدًّا وَقَالَ: «مُبَارَكٌ الْيَوْمَ الرَّبُّ الَّذِي أَعْطَى دَاوُدَ ابْنًا حَكِيمًا عَلَى هذَا الشَّعْبِ الْكَثِيرِ».

8 وَأَرْسَلَ حِيرَامُ إِلَى سُلَيْمَانَ قَائِلًا: «قَدْ سَمِعْتُ مَا أَرْسَلْتَ بِهِ إِلَيَّ. أَنَا أَفْعَلُ كُلَّ مَسَرَّتِكَ فِي خَشَبِ الأَرْزِ وَخَشَبِ السَّرْوِ.

9 عَبِيدِي يُنْزِلُونَ ذلِكَ مِنْ لُبْنَانَ إِلَى الْبَحْرِ، وَأَنَا أَجْعَلُهُ أَرْمَاثًا فِي الْبَحْرِ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي تُعَرِّفُنِي عَنْهُ وَأَنْقُضُهُ هُنَاكَ، وَأَنْتَ تَحْمِلُهُ، وَأَنْتَ تَعْمَلُ مَرْضَاتِي بِإِعْطَائِكَ طَعَامًا لِبَيْتِي».

10 فَكَانَ حِيرَامُ يُعْطِي سُلَيْمَانَ خَشَبَ أَرْزٍ وَخَشَبَ سَرْوٍ حَسَبَ كُلِّ مَسَرَّتِهِ.

11 وَأَعْطَى سُلَيْمَانُ حِيرَامَ عِشْرِينَ أَلْفَ كُرِّ حِنْطَةٍ طَعَامًا لِبَيْتِهِ، وَعِشْرِينَ كُرَّ زَيْتِ رَضٍّ. هكَذَا كَانَ سُلَيْمَانُ يُعْطِي حِيرَامَ سَنَةً فَسَنَةً.

12 وَالرَّبُّ أَعْطَى سُلَيْمَانَ حِكْمَةً كَمَا كَلَّمَهُ. وَكَانَ صُلْحٌ بَيْنَ حِيرَامَ وَسُلَيْمَانَ، وَقَطَعَا كِلاَهُمَا عَهْدًا.

13 وَسَخَّرَ الْمَلِكُ سُلَيْمَانُ مِنْ جَمِيعِ إِسْرَائِيلَ، وَكَانَتِ السُّخَرُ ثَلاَثِينَ أَلْفَ رَجُل.

14 فَأَرْسَلَهُمْ إِلَى لُبْنَانَ عَشْرَةَ آلاَفٍ فِي الشَّهْرِ بِالنَّوْبَةِ. يَكُونُونَ شَهْرًا فِي لُبْنَانَ وَشَهْرَيْنِ فِي بُيُوتِهِمْ. وَكَانَ أَدُونِيرَامُ عَلَى التَّسْخِيرِ.

15 وَكَانَ لِسُلَيْمَانَ سَبْعُونَ أَلْفًا يَحْمِلُونَ أَحْمَالًا، وَثَمَانُونَ أَلْفًا يَقْطَعُونَ فِي الْجَبَلِ،

16 مَا عَدَا رُؤَسَاءَ الْوُكَلاَءِ لِسُلَيْمَانَ الَّذِينَ عَلَى الْعَمَلِ ثَلاَثَةَ آلاَفٍ وَثَلاَثَ مِئَةٍ، الْمُتَسَلِّطِينَ عَلَى الشَّعْبِ الْعَامِلِينَ الْعَمَلَ.

17 وَأَمَرَ الْمَلِكُ أَنْ يَقْلَعُوا حِجَارَةً كَبِيرَةً، حِجَارَةً كَرِيمَةً لِتَأْسِيسِ الْبَيْتِ، حِجَارَة مُرَبَّعَةً.

18 فَنَحَتَهَا بَنَّاؤُو سُلَيْمَانَ، وَبَنَّاؤُو حِيرَامَ وَالْجِبْلِيُّونَ، وَهَيَّأُوا الأَخْشَابَ وَالْحِجَارَةَ لِبِنَاءِ الْبَيْتِ.”


عملا بما اعتاد عليه ملوك المنطقة، أراد الملك سليمان بناء بيت للرب فطلب من الملك حيرام تزويده باﻷشجار والنجارين، فتعهد حيرام بنقل اﻷخشاب على أن ينقلها الحمالون إلى مكان بناء بيت الرب.


وبخصوص الأعداد الكبيرة التي تضعها قصص التوراة، أستذكر هنا نصيحة صديقي سيد شتيوي القائمة على تحليلات النظام العددي في التوراة والقائلة أن هذه اﻷرقام مضخمة جدا وأن اﻷلف (اليوبيل) في التوراة يقابلها خمسون، وإذا اعتمدت هذه القاعدة ستصبح اﻷراقام أقرب للمنطق، فيصبح الثلاثون ألف رجل الذين أرسلهم سليمان إلى لبنان ألفا وخمس مئة، والسبعون ألفا الذين يحملون اﻷحمال ثلاثة آلاف وخمس مئة حمال، وحتى أن عدد من خرجوا من مصر التوراتية يصبح ثلاثين ألف رجل بدل ست مئة ألف.

وعند النظر إلى موقع لبنان في التوراة نجد أنه دائما مرتبط بالبرية:

1) سفر التثنية 11: 24

كُلُّ مَكَانٍ تَدُوسُهُ بُطُونُ أَقْدَامِكُمْ يَكُونُ لَكُمْ. مِنَ الْبَرِّيَّةِ وَلُبْنَانَ. مِنَ النَّهْرِ، نَهْرِ الْفُرَاتِ، إِلَى الْبَحْرِ الْغَرْبِيِّ يَكُونُ تُخْمُكُمْ.

2) سفر يشوع 1: 4

مِنَ الْبَرِّيَّةِ وَلُبْنَانَ هذَا إِلَى النَّهْرِ الْكَبِيرِ نَهْرِ الْفُرَاتِ، جَمِيعِ أَرْضِ الْحِثِّيِّينَ، وَإِلَى الْبَحْرِ الْكَبِيرِ نَحْوَ مَغْرِبِ الشَّمْسِ يَكُونُ تُخْمُكُمْ.

3) سفر إرميا 22: 6

لأَنَّهُ هكَذَا قَالَ الرَّبُّ عَنْ بَيْتِ مَلِكِ يَهُوذَا: جِلْعَادٌ أَنْتَ لِي. رَأْسٌ مِنْ لُبْنَانَ. إِنِّي أَجْعَلُكَ بَرِّيَّةً، مُدُنًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ.


وهو ما يشبه تمام موقع جبال زاغروس الذي يعد حاجزا طبيعيا بين منطقتين مختلفتين تمام في شماله وجنوبه.

وفي سفر أخبار الملوك اﻷول-10:

22 لأَنَّهُ كَانَ لِلْمَلِكِ فِي الْبَحْرِ سُفُنُ تَرْشِيشَ مَعَ سُفُنِ حِيرَامَ. فَكَانَتْ سُفُنُ تَرْشِيشَ تَأْتِي مَرَّةً فِي كُلِّ ثَلاَثِ سَنَوَاتٍ.. أَتَتْ سُفُنُ تَرْشِيشَ حَامِلَةً ذَهَبًا وَفِضَّةً وَعَاجًا وَقُرُودًا وطوَاوِيسَ.”


لا يمكن فهم هذه القصة في جغرافيا فلسطين، أما في جبال زاغروس فيمكن بسهولة تخيل مدينة تطل على أحد أنهار جنوب زاغروس، ينحدر منها نهر يصب في دجلة يصل إلى الخليج وهناك يمكن أن تسافر السفن وتعود من الهند محملة بكل تلك البضائع والهدايا وتحملها قوارب إلى مدينة سليمان وداوود في التوراة ومن حيث يمر النهر القادم من مدينة حيرام حيث اﻷشجار المقدسة.




الخلاصة:

في ملحمة جلجامش اتجه البطل شرقا نحو جبال زاغروس بحثا عن شجر (ERIN) هناك، لكن في جغرافية قصص التوراة وُضع مكان هذه اﻷشجار في لبنان البلد العربي، وعند ترجمة اﻷلواح البابلية والأشورية التي تتحدث عن الجبل المقدس وأشجار الـ (ERIN) وُضع الجبل في لبنان البلد العربي وليس في جبال زاغروس بين إيران والعراق.

وبالعودة إلى المعطيات العلمية والتاريخية، فإن جبال زاغروس عرفت على مدى عصور أنواعا كثيرة من اﻷشجار وامتازت بوجود شجر العرعر على ارتفاعات عالية وهو شجر عطري وأخشابه قوية تصلح للبناء وﻷغراض أخرى، وبسبب الاستهلاك الجائر فقد تراجعت هذه الثروة في المنطقة.


وبالنظر إلى ألواح سرجون التي تشرح كيفية نقل اﻷخشاب، فالتفسير الوحيد لقيام الممالك القديمة بذلك فهو عبر جلبها من الجبال حيث تتدفق اﻷنهار حاملة معها القوارب الناقلة للأخشاب لتصب في نهر دجلة ومنها إلى المدن الملكية.


ومن هنا يمكن فهم أن مملكة يهوذا ليست إلا مملكة صغيرة من ممالك الجبال التي ذكرها نبوخنصر الثاني في سجلاته بين البحر العلوي بحر قزوين والبحر السفلي الخليج، وقال أنه أخضعها بإرادة الرب وأخذ منها الذهب والفضة والنحاس واﻷحجار الكريمة واﻷخشاب وغيرها من المواد الثمينة، وقتل المتمردين عليه فيها واتخذ من رجالها عمالا بالسخرة للعمل في بناء المعابد.

الخميس، 7 مايو 2020

لعنة كنعان

أدرك تماما أن احتلال فلسطين ومأساة شعبها في جوهره احتلال استيطاني قامت به ولا زالت عصابات صهيونية متعددة الجنسيات بدعم عدد كبير من أنظمة العالم، علنا كان ذلك أم سرا، وأنه ليس كما يبدو في ظاهره صراعا دينيا بين شعب الله المختار (الصهاينة) والجبارين الظاهرين على الحق في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس (الفلسطينيون أحفاد الكنعانيين).

لقد التصق اسم الكنعانيين بالفلسطينيين حيث صار ملازما في اﻷذهان وصار محل فخر عند الكثيرين.

لكن عند قراءة أسفار التوراة سيكتشف القارئ أن كنعان ليس إلا كناية عن اللعنة والنجاسة!

تبدأ حكاية لعنة كنعان في التوراة من سفر التكوين في قصة نوح، فقد خرج مع نوح من الفلك: سام وحام ويافث وكنعان ابن حام.


وفي حادث غريب "ابْتَدَأَ نُوحٌ يَكُونُ فَلاَّحًا وَغَرَسَ كَرْمًا. 21 وَشَرِبَ مِنَ الْخَمْرِ فَسَكِرَ وَتَعَرَّى دَاخِلَ خِبَائِهِ."، فأبصر حام عورة أبيه.



عندها قام سام ويافث بتغطية أبيهما دون النظر إلى عورته، وعندما استفاق نوح وعلم ما فعل ابنه الصغير لعن ابنه كنعان قائلا:  "ملعون كنعان! عبد العبيد يكون ﻹخوته". (غالبا حسب النص  التوراتي كنعان هو  ابن نوح الرابع وليس ابن حام (الصديق الباحث سيد شتيوي هو الذي لفت انتباهي لهذه النقطة))



وقسّم نوح جهات اﻷرض بين أبنائه ويظهر أثر اللعنة اﻷول في قصة إبراهيم حفيد سام بن نوح، فخرج أبرام (إبراهيم) ومعه ساراي (سارة) ولوط من أور الكلدانيين (أور الكسديم في التوراة) إلى حاران ومنها أتوا إلى أرض الملعون كنعان.



وهناك ظهر الرب ﻷبرام وأعطى له ولنسله أرض كنعان.


ومن بين كل ذريته  اختار  إبراهيم يعقوب ليرث البركة والعهد، التي لم يحظى بها أخوه اﻷكبر عيسو، ولا أبناء إبراهيم: اسماعيل (ابن هاجر) واسحق (ابن سارة) وأبناؤه الستة من جاريته قطورة.

وبعد أن اشترى يعقوب البكورية من أخيه اﻷكبر عيسو مقابل خبز وطبق عدس، وخداع أبيه الكفيف بإيهامه بأنه ابنه المحبوب عيسو، سرق يعقوب البكورية والبركة. ليأتي الرب بعدها ويجدد العهد فيعطيه له ولذريته أرض الملعون كنعان.


وتأكيدا للعنة كنعان، منع إبراهيم اسحق من الزواج من بنات الكنعانيين، وذات الوصية وصاها اسحق ليعقوب.

أما عيسو ومن باب الانتقام للخديعة التي تعرض لها فذهب إلى اسماعيل  وأخذ محلة ابنته، 


وأخذ لنفسه زوجات من بنات كنعان الملعون.


وعندما نزل يعقوب في شكيم من أرض كنعان، خرجت دينة ابنة يعقوب لتنظر بنات اﻷرض، فرآها شكيم ابن حمور رئيس اﻷرض وأخذها واضطجع معها وأذلها. لكنه أحبها فطلبها للزواج إلا أن إخوتها رفضوا طلبه بسبب أنه كنعاني أغلف (نجس)


فاشترط أبناء يعقوب على حيمور ريس اﻷرض أن يختنوا جميعهم ليصيروا شعبا واحدا، فيتناسبوا فيما بينهم ويسكنوا معا ويملكوا اﻷرض، وبعدما وثق حيمور الكنعاني بيعقوب وأبنائه، قام شمعون ولاوي ابنا يعقوب بقتل حيمور  وابنه، ثم نهب أبناء يعقوب كل المدينة وسبوا كل من فيها.


وتأكيدا على اللعنة التي ستلحق بكل من يقترب من كنعان، دخل يهوذا على ابنة رجل كنعاني،


وأنجبت له ثلاثة أبناء، فزوج ابنه اﻷكبر من امرأة اسمها ثامار، لكنه مات قبل أن تنجب له ابنا، فطلب من ابنه الثاني أن يدخل بثامار ليقيم ﻷخيه الميت نسلا، لكنه مات دون ذلك، وﻷن الابن الثالث صغير السن طلب يهوذا من أرملة ابنه أن تبقى في بيت أبيها حتى يكبر ابنه الثالث، فقررت ثامار أن تخدع يهوذا فتغطت ببرقع وتلفلفت فظنها يهوذا زانية فاضطجع معها، فحملت منه وولدت له ولدين: فارص وزارح.

وتسلسل اﻷحداث بعد ذلك فيخرج بنو يعقوب إلى مصريم ويبقوا فيها عدة قرون، ثم يخرجوا منها مع موسى بصفتهم بني إسرائيل ليطهروا أرض كنعان من لعنة الكنعانيين ويحققوا وعد الرب ﻹبراهيم ويعقوب.

رغم أن كل آثار فلسطين والمنطقة تنفي أي علاقة لها بقصص التوراة، إلا أن ترجمة التوراة إلى اللغات اﻷخرى جعلت من بلاد القبط (جمهورية مصر حاليا) هي أرض مصريم التوراتية، وجعلت من فلسطين أرض كنعان والفلشتيم.

بعد إعلان وعده المشؤوم قال بلفور:  إن القوى اﻷربع العظمى ملتزمة بالصهيونية، وسواء أكانت الصهوينية على خطأ أم على صواب، أو كانت شيئا جيدا أو سيئا، فإنها متأصة بعمق في تراث الماضي البعيد وفي حاجات الحاضر وآمال المستقبل، وهي أهم بكثير من رغبات وتحيزات ال 700 ألف عربي الذين يقطنون اﻵن تلك اﻷرض القديمة:


وقدمت الحكومات الغربية الصهيوينة لشعوبها على أنها عودة بني إسرائيل الجديدة لتطهير أرض كنعان من رجس الكنعانيين الجدد: الفلسطينيين.


الصهاينة  متعددو  الجنسيات واﻷعراق لا يمكن أن يكونوا من ذرية رجل واحد، ولا أرض فلسطين تشبه أرض التوراة، وليس على الفلسطينيين أن يلبسوا عباءة لعنة كنعان التوراتية.

يقول فاضل الربيعي وهو محق برايي في ذلك:  بـ "أن شعوب المنطقة اكتسبت هويات توراتية زائفة". لذا عليهم أن يبحثوا جاهدين لاكتشاف هوياتهم الحقيقية البعيدة كل البعد عن قصص التوراة لعلهم يتحررون من لعنة كنعان.

الجمعة، 7 فبراير 2020

علبة الرماد المقدس

كان جالسا يتأمل من النافذة بيتا في أعلى التلة لأثرى رجل في البلدة واتساع اﻷراضي المحيطة به، ثم أدار رأسه وراح يُقلّب عينيه مزدريا جدران منزله وضيق حجراته.

اتجه إلى صندوق كبير في زاوية الحجرة وأخرج قطعة قماش ملفوفة بعناية، فك قطعة القماش وأخرج من طياتها مصاغا، رايح يتفحص المصاغ بذهن شارد، عندها دخلت زوجته وسألته: ما ذكرك بمصاغ والدتك؟ لماذا أخرجته من الصندوق؟

فأجاب: أنوي بيع هذا المصاغ لأستثمر ثمنه في تجارة أزيد بها دخلي، وبعد فترة وجيزة سأضاعف حجم تجارتي وسأتمكن من شراء مزيد من اﻷراضي والمواشي، ومن بناء بيت جديد بدل هذا البيت المتهالك، وستصبح حايتنا وحياة أطفالنا أكثر رفاهية، سيصبح عندنا خدم وعمال وسيقصد الناس بابي لقضاء حاجاتهم المختلفة وما أدراكِ قد أصبح حاكما للمنطقة.

قالت الزوجة بتهكم: كل هذا من مصاغ والدتك القديم؟ 
فأجاب الزوج وما أدراكِ بالتجارة، وكيف يجلب المال أموالا؟
فردت: نعم أنت أدرى بالأموال، لكن لا تنسى أن قيمة هذا المصاغ في ذكراه التي يحملها، لقد أهدته والدتك لنا في زفافنا، وقد تم توارثه في العائلة جيلا بعد جيل، فإن لهذا المصاغ قيمة دينية وببركته نشأت بيوت وأنجبت ووربت أبناء.
فضحك مستهزئا وقال: أي بركة يا زوجتي، لا بركة إلا بركة المال،  سأبيع المصاغ  هذا قراري لا تراجع عنه.
عندها ردت الزوجة بحزم: بِعه لكن بشرط، لا يمكنني أن أعيش في بيت لا بركة فيه، لن أخاطر بمستقبل أطفالي من أجل أحلامك المالية.

فسألها الزوج وما هو شرطك؟
فأجابت: في رحتلك للمدينة لشراء البضاعة التي ستتاجر بها، خصص وقتا ومالا للذهاب للمعبد الكبير، وأحضر لنا علبة صغيرة من رماد الراهب اﻷعظم، سأخصص زاوية في البيت للعبادة، سأوقد فيها الشموع وأحرق البخور وسأضع علبة الرماد فوق صينية مزخرفة، وسأقيم الصلوات ليل نهار ليحفظ هذا البيت وتناله البركة.
ابتسم الزوج وقال: حسن سأجلب لك رماد الراهب ثم التفت وعاد ينظر عبر النافذة إلى بيت الرجل الثري في أعلى التلة. 

بعد أيام ودّع زوجته وأطفاله وراح في رحلة تجارية وفي جعبته مصاغ أمه وفي مخيلته أحلام الجاه والثراء.

بعد أسابيع عاد من سفره محملا ببضائع متنوعة، راح يخرج البضائع ويعرضها على زوجته ويقدر كم ستكون أرباح كل قطعة، ظلت الزوجة تنتظر أن يخرج علبة الرماد، لكنه لم يفعل.
فسألته: أين علبة رماد الراهب؟

فأجاب متلعثما: أعتذر يا زوجتي الغالية، لم يبقَ معي من المال والزمن ما يكفي للذهاب للمعبد الكبير، أعدك أن أفعل في رحلتي القادمة، حينها سيكون معنا مال أكثر وسأخصص وقتا لهذا الغرض.

قأجابت الزوجة بصوت تملكه الخوف: لقد مرض ابننا في غيابك ولم يشف إلا بعد أن ذهبت وأقمت الصلوات في أحد بيوت الجيران، أخشى أن يصيبنا ما هو أسوأ إن لم تحضر علبة الرماد.

فرد الزوج: لا تقلقي سأحضره في المرات القادمة.

وبعد أسابيع حمل الزوج ماله والربح البسيط الذي عاد عليه من بيع البضائه التي جلبها في رحلته اﻷخيرة ليذهب في رحلة تجارية جديدة.

وقفت الزوجة عند الباب تودع وزوجتها وقالت: لا تنسَ علبة الرماد
فأجاب بشكل قطعي: بالطبع لن أفعل وغادر مسرعا.

بعد أسابيع عاد الزوج ولم يحضر علبة الرماد، عندها انفجرت الزوجة غاضبة: هذه المرة وقعت ابنتنا في حفرة عميقة وكادت أن تموت، أنت تعرضنا للخطر باستهتارك، في المرة القادمة إذا عدت دون أن تحضر علبة الرماد، سأترك البيت ولن تجد من يرعاك ويرعى بيتك وأطفالك وربما أقتل نفسي، فلن أحتمل حياة لا طمأنينة ولا بركة فيها.
فأجاب الزوج حتما سأفعل، لا تقلقي.

ذهب الزوج في رحلة جديدة، وبعد أسابيع وهو على مشارف البلدة تذكر أنه لم يحضر علبة الرماد، وأن زوجته ستنفجر غاضبة وقد تؤذي نفسها مما قد يعرض حياته وأحلامه للخطر.  فتوقف ليفكر في حل لهذه المشكلة. لفت انتباهه وجود عظام كلب نافق على قارعة الطريق، لم يفكر طويلا، أوقد نارا وحرق عظام الكلب، ثم أخرج من متاعه علبة جميلة ووضع فيها بعضا من رماد عظام الكلب، ثم اتجه مسرعا نحو بيته.

كانت الزوجة تترقب وصوله، ما أن رأته يقترب من البيت حتى خرجت مسرعة لاستقباله ولتتأكد من إحضاره علبة الرماد، فأدرك ذلك مباشرة ولوح لها من بعيد بعلبة الرماد، فهرولت نحوه وفأعطاها العلبة وقال لها: ها هو رماد الراهب اﻷعظم. فأجبت ودموع الفرح تنهمر من عينيها شكرا يا زوجي، هكذا لن تغادر البركة بيتنا سأبقى وفية لك طول العمر راعية لك ولأطفالك ووبيتك ما حييت.
فأجاب: ما أروعكِ من زوجة



ملاحظة: هذه القصة قرأتها منذ مدة طويلة على أحد المواقع وكانت باللغة الفرنسية، ولم أعثر عليها بعدها، أعدت صياغة القصة بأسلوبي وأجريت بعض التعديلات دون التغير على الفكرة الرئيسية منها.