السبت، 30 سبتمبر 2017

أوهام رغبة الاستحواذ على المقدّس

رغبة  الاستحواذ على المقدّس ترواد أغلب المتدينين، ومُتعتهم في ذلك لا يمكن الاستهانة بها فهي وقود البحث والمغامرة من أجل الحصول على كل ما يكرّس الاقتراب والاستحواذ على علاقة خاصة بالمقدّس.

قبل سنوات كنت مستسلما لفكرة أن فلسطين هي أرض قصص اﻷنبياء، وانطلقت من هذه المسلّمة أبحث عن جغرافيا قصص اﻷنبياء مستعينا بالنص القرآني، لا أخفي أني كنت أفعل ذلك تحت رغبة الاستحواذ على المقدس، وكشف أسراره والحصول على بركاته. ومن بين المواضيع التي كنت أبحث عنها فك لغز المكان الشرقي الذي انتبذته مريم (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (16) سورة مريم)، والذي وضعت فيه ابنها بالقرب من جذع نخلة وعين ماء.

دير مار سابا بين 1900 و 1920



فكان دير مار سابا المطلّ على وادي الجوز الواقع شرقي القدس (وليس جنوبها كما هو حال بيت لحم) أفضل مكان لهذه القصة، ولم يكن من السهل الاقتناع بأن وجود نخلة ونبع ماء داخل الدير  هو من قبيل الصدفة، ﻷن تلك النخلة هي الوحيدة في المنطقة، ورغم أن النخلة الكبيرة الظاهرة في صور الدير القديمة لم تعد موجودة إلا أن نخلة أخرى صغيرة تنمو مكانها.


نخلة دير مار سابا

بئر مار سابا



عندما سنحت لي فرصة زيارة فلسطين، كان دير مار سابا أحد أهم المواقع التي كنت أرغب في معاينتها، ذهبت إلى المكان، جلست في الكهوف المجاورة، ونزلت إلى الوادي وصعدت إلى الجبل المقابل للدير وتأملت المكان جيدا، ثم صعدت إلى الدير وطرقت الباب وطلبت اﻹذن بالدخول وزيارة المكان، لكن الراهب وبنظرة تعجّب رفض طلبي بالنزول إلى أسفل الدير حيث النخلة، أو الحصول على شربة ماء من النبع  ولم يرُق له أن أطلب ذلك.

نخلة مار سابا الصغيرة


دير مار سابا



لم تشفِ تلك الزيارة غليلي، وواصلت البحث في الكتب وعلى الشبكة العنكبوتية، ووحدها القراءة  جعلتني أكتشف أن المسلّمة التي انطلقت منها كانت خاطئة  وأن وهم امتلاك الحقيقة سيدفعك إلى خداع نفسك وتصديق أي شيء.. النخلة الموجودة في أسفل الدير تمت زراعتها قبل مئات السنين، وكلما ماتت يتم استبدالها بأخرى، والماء الذي في اﻷسفل ليس إلا ماء بئر تُملأ بمياه اﻷمطار عبر قنوات وضعها رهبان الدير الذي لا تصله خطوط المياه ولا  الكهرباء ولا الاتصالات ولا تدخله النساء أيضا حتى يتفرغ الرهبان للعبادة فقط.




كهوف مار سابا



قررت بعدها الرجوع خطوات إلى الخلف، خلف كلّ المسلّمات، والارتقاء إلى أعلى عبر البحث وتنويع مصادر القراءة، من أجل الحصول على صورة أشمل وأكثر قربا من الضالة المنشودة: الحقيقة.

لقد سيطرت رغبة الاستحواذ على المقدس على العلماء التوراتيين فراحوا يجوبون المنطقة بحثا حاملين التوراة في يدّ ومعولا في اليد اﻷخرى، فكان النص هو دليلهم لتعريف اﻵثار ولترجمة النقوش والسجلات لتتلاءم اﻷسماء والأحداث فيها مع النص، والنتيجة كانت تاريخا وجغرافيا تعجّان بالتناقضات، تم استغلالهما سياسيا لزرع كيان غريب عن المنطقة وتاريخها، مما تسبب في زعزعة اﻷمن والاستقرار في المنطقة والتسبب في حروب وكوارث لحقت ولا زالت ببلدانها وشعوبها.

لكن الفرضية المسلّم بها بأنّ فلسطين هي أرض الحدث التوراتي سقطت تحت مطارق البحث العلمي وعلم اﻵثار، فقد أثبتت اللُقى اﻷثرية، بأنه لم يحدث خروج جماعي من مصر القديمة، ولم يحدث غزو على فلسطين ولم تكن هناك مملكة عظيمة والقدس لم تكن موجودة وقتها، وفلسطين كان بها حاميات عسكرية تابعة لمصر القديمة وغيرها من اﻷدلة اﻵركيولوجية التي تنسف حدوث  قصص التوراة في فلسطين، ولا يتمسك بهذه الفرضية إلا شخص متديّن تأسره رغبة الاستحواذ على المقدس، أو باحث يخشى الاعتراف بأنه قد قضي سنيّ عمره بحثا عن وهم، أو من لا يكترث لكون هذه المسلمة حقيقة أو وهمًا.

عدم حدوث قصص التوراة في فلسطين، يعني إما أنها مجرّد أساطير لم تحدث لا في فلسطين ولا في غيرها، وهذا ما ذهب إليه بعض علماء الآثار اﻹسرائيليين والغربيين، أو أنها حدثت في مكان آخر، وهذا ما ذهب إليه عدد من الباحثين العرب.

القسم اﻷول من الباحثين العرب يدفعه في ذلك الرغبة في الاستحواذ على المقدّس تماما مثل علماء التوراة مما سيعرضهم إلى انتهاج وسائل غير علمية في أبحاثهم،  والقسم الثاني همّه إعادة كتابة تاريخ المنطقة بشكل علمي وتحريرها من التاريخ الخاطئ الذي ألصق بها اعتمادا على التاريخ التوراتي والذي تسبب في أغلب الحروب والكوارث التي ألمّت بها.

ونقطة الخلاف الجوهرية بين القسمين، هو أن اﻷول همّه العثور على جغرافيا قصص اﻷنبياء، والثاني يريد تصحيح التاريخ، ولا شك أن إعادة كتابة تاريخ المنطقة لا تخلو من مخاطر، فالبحث عملية تجريبية تحتمل الصواب كما تحتمل الخطأ، واحتمالات الوقوع في الخطأ كبيرة جدا خصوصا في التجارب اﻷولى، كما  أن محاولة تغيير المسلمات التي اكتسبت قدسية مع مرور الزمن ستُقابل بمعارضة شديدة من الذين يرفضون اﻷفكار الجديدة  أو من الكسالى الذين دأبوا على وضع كل ما لا يعجبهم تحت مظلة نظرية المؤامرة، أو ممن يخشون التغيير وهم برأيي محقون في خشيتهم ﻷن تغيير تاريخ المنطقة أشبه بعملية جراحية خطيرة مفتوحة على احتمالات مختلفة.

لو أن المستقبل ليس رهينة الماضي والحاضر لما احتجنا لتصحيح التاريخ، لكن من أجل مستقبل أفضل  وأكثر أمنا ورخاء ﻷبناء المنطقة والعالم لا مفر من إعادة كتابة تاريخ المنطقة بطريقة علمية بعيدة كل البعد عن رغبات الاستحواذ على المقدّس، فهذا التاريخ المشوّه قد أنهك الجميع ويجب التخلص منه، ويجب التخلص من أوهامه، فلا يمكن أن يكون للصهاينة حق لا في فلسطين ولا في غيرها، ولن تكون نتائج إعادة كتابة تاريخ المنطقة إلا في سياق عملية تحرُّر من التاريخ التوراتي.


الأربعاء، 19 يوليو 2017

بئر السبع مكة التوراة


تل أبو محفوظ موقع أثري اعتبره توراتيون تل بئر سبع التي ذكر في التوراة، بنى فيها العثمانيون ثكنة عسكرية وأسسوا فيها مدينة صغيرة، ظهرت صورها وصور سكانها في كثير من المطبوعات الغربية وسقطت في يد البرياطانيين في الحرب العالمية الأولى سنة 1917 وبعدها احتلها الصهاينة في 1948 وهجروا أهلها من عشيرة أبو محفوظ التي تنتسب لقبيلة عنزة العربية.





بئر السبع في مطلع القرن العشرين


بئر السبع الآن مدينة كبيرة وهي تعد المدينة الثانية من حيث المساحة في كيان الاحتلال الصهيوني المسمى إسرائيل.


ورد ذكر بئر سبع عدة مرات ضمن صيغة "من دان إلى بئر سبع" والتي تمثل حدود إسرائيل الكبرى في التوراة (إسرائيل ويهوذا) أي دان التي تم اسقاطها على منطقة تل القاضي أقصى شمال فلسطين قرب بحيرة الحولة التي جففها الصهاينة، وبئر سبع التي تم اسقاطها على تل أبو محفوظ. وبذلك تكون بئر سبع هي الحد الجنوبي لتلك المملكة المتخيلة على أرض فلسطين. أي أن صحراء النقب إلى أم الرشراش (إيلات) لا تقع ضمن الأرض المتخيلة لمملكة إسرائيل القديمة.

وورد ذكر بئر سبع في قصة يوسف عندما طلب من أبيه يعقوب - إسرائيل الحضور إلى مصر التوراتية "فَارْتَحَلَ إِسْرَائِيلُ وَكُلُّ مَا كَانَ لَهُ وَأَتَى إِلَى بِئْرِ سَبْعٍ، وَذَبَحَ ذَبَائِحَ لإِلهِ أَبِيهِ إِسْحَاقَ" (سفر التكوين 46:1)

وترد في قصة إسحق حيث يقول النص في سفر التكوين: "ثُمَّ صَعِدَ مِنْ هُنَاكَ إِلَى بِئْرِ سَبْعٍ.  فَظَهَرَ لَهُ الرَّبُّ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ وَقَالَ: «أَنَا إِلهُ إِبْرَاهِيمَ أَبِيكَ. لاَ تَخَفْ لأَنِّي مَعَكَ، وَأُبَارِكُكَ وَأُكَثِّرُ نَسْلَكَ مِنْ أَجْلِ إِبْرَاهِيمَ عَبْدِي،  فَبَنَى هُنَاكَ مَذْبَحًا وَدَعَا بِاسْمِ الرَّبِّ. وَنَصَبَ هُنَاكَ خَيْمَتَهُ، وَحَفَرَ هُنَاكَ عَبِيدُ إِسْحَاقَ بِئْرًا." وقد بحث منقبو الآثار جاهدين عن هذا المذبح وعندما لم يعثروا عليه قاموا ببناء مذبح من حجارة عثروا عليها في تل أبو محفوظ وقالوا أن هذه الحجارة قد تكون من حجارة المذبح القديم.


يأتي ذكر بئر سبع أيضا في قصة حلف البئر بين إبراهيم وأبيمالك:
 "وَعَاتَبَ إِبْرَاهِيمُ أَبِيمَالِكَ لِسَبَبِ بِئْرِ الْمَاءِ الَّتِي اغْتَصَبَهَا عَبِيدُ أَبِيمَالِكَ.
26 
فَقَالَ أَبِيمَالِكُ: «لَمْ أَعْلَمْ مَنْ فَعَلَ هذَا الأَمْرَ. أَنْتَ لَمْ تُخْبِرْنِي، وَلاَ أَنَا سَمِعْتُ سِوَى الْيَوْمِ».
27 
فَأَخَذَ إِبْرَاهِيمُ غَنَمًا وَبَقَرًا وَأَعْطَى أَبِيمَالِكَ، فَقَطَعَا كِلاَهُمَا مِيثَاقًا.
28 
وَأَقَامَ إِبْرَاهِيمُ سَبْعَ نِعَاجٍ مِنَ الْغَنَمِ وَحْدَهَا.
29 
فَقَالَ أَبِيمَالِكُ لإِبْرَاهِيمَ: «مَا هِيَ هذِهِ السَّبْعُ النِّعَاجِ الَّتِي أَقَمْتَهَا وَحْدَهَا؟»
30 
فَقَالَ: «إِنَّكَ سَبْعَ نِعَاجٍ تَأْخُذُ مِنْ يَدِي، لِكَيْ تَكُونَ لِي شَهَادَةً بِأَنِّي حَفَرْتُ هذِهِ الْبِئْرَ».
31 
لِذلِكَ دَعَا ذلِكَ الْمَوْضِعَ «بِئْرَ سَبْعٍ»، لأَنَّهُمَا هُنَاكَ حَلَفَا كِلاَهُمَا."
وقد بحث التوراتيون عن هذه البئر في أرض تل أبو محفوظ، وقد عثر ثومسون في نهاية القرن التاسع عشر على بئر وبالرغم من أن حجارة تلك البئر تعود للفترة البيزنطية بحسب ما يؤكده علماء الآثار إلا أنه تم إطلاق إسم بئر إبراهيم عليها وتم ترميمها وهي الآن مزار ضمن متحف في بئر السبع.







أما أبيمالك الذي ذُكر في قصة البئر فهو ملك جرار التي تم إسقاطها على خربة إم الجرار جنوب شرق غزة والتي قيل أن أهلها من عائلة أبو معيلق هم امتداد لهذا الملك أبيمالك لتشابه صيغة الإسم!  (Abimelech - Aboumeileg)

وأبيمالك هذا وفقا للقصة التوراتية رجل شهم فقد قال إبراهيم عن زوجته سارة أنها أخته، فأرسل أبيمالك وأخذها، ولما عرف أنها متزوجة دعا إبراهيم وقال له ماذا فعلت بنا؟ وبماذا أخطأت إليك حتى جلبت علي وعلى مملكتي خطية عظيمة؟ فأخذ أبيمالك غنما وبقرا وعبيدا وإماء وأعطاها لإبراهيم ورد إليه سارة


والقصة ذاتها تقريبا حدثت قبل ذلك مع فرعون مصر التوراتية: إذ أوصى إبراهيم سراي زوجته "قُولِي إِنَّكِ أُخْتِي، لِيَكُونَ لِي خَيْرٌ بِسَبَبِكِ وَتَحْيَا نَفْسِي مِنْ أَجْلِكِ" (تكوين 12:13)
وأأخذ فرعون سارة و "صَنَعَ إِلَى أَبْرَامَ خَيْرًا بِسَبَبِهَا، وَصَارَ لَهُ غَنَمٌ وَبَقَرٌ وَحَمِيرٌ وَعَبِيدٌ وَإِمَاءٌ وَأُتُنٌ وَجِمَالٌ." (تكوين 12:16)
وبعد أن اكتشف فرعون أنها زوجة إبراهيم وليست أخته قال له "هوذا امرأتك، خذها واذهب" (تكوين 12:19)


ثم صعد أبرام وزوجته وكل ما كان له ولوط معه إلى الجنوب، وقد كان غنيا جدا في المواشي والفضة والذهب تماما كما تقول التوراة نصا، ذهبوا إلى بيت إيل وهناك حدثت مخاصمة بين رعاة أبرام ورعاة لوط قررا بعدها أن يفترقا فسكن أبرام في أرض كنعان ولوط نقل خيامه إلى سدوم.


أما أهم ذكر لإسم بئر سبع في التوراة هو برأيي لقصة هاجر و إسماعيل ، يقول النص في سفر التكوين:
9 وَرَأَتْ سَارَةُ ابْنَ هَاجَرَ الْمِصْرِيَّةِ الَّذِي وَلَدَتْهُ لإِبْرَاهِيمَ يَمْزَحُ،
10 
فَقَالَتْ لإِبْرَاهِيمَ: «اطْرُدْ هذِهِ الْجَارِيَةَ وَابْنَهَا، لأَنَّ ابْنَ هذِهِ الْجَارِيَةِ لاَ يَرِثُ مَعَ ابْنِي إِسْحَاقَ».
11 
فَقَبُحَ الْكَلاَمُ جِدًّا فِي عَيْنَيْ إِبْرَاهِيمَ لِسَبَبِ ابْنِهِ.
12 
فَقَالَ اللهُ لإِبْرَاهِيمَ: «لاَ يَقْبُحُ فِي عَيْنَيْكَ مِنْ أَجْلِ الْغُلاَمِ وَمِنْ أَجْلِ جَارِيَتِكَ. فِي كُلِّ مَا تَقُولُ لَكَ سَارَةُ اسْمَعْ لِقَوْلِهَا، لأَنَّهُ بِإِسْحَاقَ يُدْعَى لَكَ نَسْلٌ.
13 
وَابْنُ الْجَارِيَةِ أَيْضًا سَأَجْعَلُهُ أُمَّةً لأَنَّهُ نَسْلُكَ».
14 
فَبَكَّرَ إِبْرَاهِيمُ صَبَاحًا وَأَخَذَ خُبْزًا وَقِرْبَةَ مَاءٍ وَأَعْطَاهُمَا لِهَاجَرَ، وَاضِعًا إِيَّاهُمَا عَلَى كَتِفِهَا، وَالْوَلَدَ، وَصَرَفَهَا. فَمَضَتْ وَتَاهَتْ فِي بَرِّيَّةِ بِئْرِ سَبْعٍ.
15 
وَلَمَّا فَرَغَ الْمَاءُ مِنَ الْقِرْبَةِ طَرَحَتِ الْوَلَدَ تَحْتَ إِحْدَى الأَشْجَارِ،
16 
وَمَضَتْ وَجَلَسَتْ مُقَابِلَهُ بَعِيدًا نَحْوَ رَمْيَةِ قَوْسٍ، لأَنَّهَا قَالَتْ: «لاَ أَنْظُرُ مَوْتَ الْوَلَدِ». فَجَلَسَتْ مُقَابِلَهُ وَرَفَعَتْ صَوْتَهَا وَبَكَتْ.
17 
فَسَمِعَ اللهُ صَوْتَ الْغُلاَمِ، وَنَادَى مَلاَكُ اللهِ هَاجَرَ مِنَ السَّمَاءِ وَقَالَ لَهَا: «مَا لَكِ يَا هَاجَرُ؟ لاَ تَخَافِي، لأَنَّ اللهَ قَدْ سَمِعَ لِصَوْتِ الْغُلاَمِ حَيْثُ هُوَ.
18 
قُومِي احْمِلِي الْغُلاَمَ وَشُدِّي يَدَكِ بِهِ، لأَنِّي سَأَجْعَلُهُ أُمَّةً عَظِيمَةً».
19 
وَفَتَحَ اللهُ عَيْنَيْهَا فَأَبْصَرَتْ بِئْرَ مَاءٍ، فَذَهَبَتْ وَمَلأَتِ الْقِرْبَةَ مَاءً وَسَقَتِ الْغُلاَمَ.
20 
وَكَانَ اللهُ مَعَ الْغُلاَمِ فَكَبِرَ، وَسَكَنَ فِي الْبَرِّيَّةِ، وَكَانَ يَنْمُو رَامِيَ قَوْسٍ.
21 
وَسَكَنَ فِي بَرِّيَّةِ فَارَانَ، وَأَخَذَتْ لَهُ أُمُّهُ زَوْجَةً مِنْ أَرْضِ مِصْرَ.

هذه القصة تشبه إلى حد كبير النسخة اﻹسلامية التي تجعل مسرح هذه الحادثة في مكة، ورغم أن  البعض يرى  أن فاران هي امتداد لشبه جزيرة سيناء بسبب ورود ذكرها في قصة خروج موسى وبني إسرائيل من مصر إلا أن  البعض الآخر يعتقد أنها في الحجاز تماشيا مع النسخة الإسلامية من القصة.


يذكر النص التوراتي الإسماعيليين في مواضع شتى ومن بينها قصة يوسف مع إخوته عندما ألقوه في بئر في دوثان التي وضعها التوراتيون في منطقة عرابة قرب جنين، حيث مرت قافلة للإسماعيليين قادمة من جلعاد التي يعتبرها التوراتيون قرب السلط في منطقة البلقاء في الأردن ومرورا بشكيم التي يعتبرونها نابلس ذاهبة باتجاه مصر.. بالطبع سواء أكان الإسماعيليون من سكان النقب أو الحجاز سيصعب تفهّم سبب مرور قافلتهم المتجهة نحو مصر من البلقاء ونابلس.


وتجدر الإشارة هنا لما وقع فيها المؤرخون والجغرافيون والمفسرون المسلمون والعرب من ارباك أيضا عندما اعتمدوا القصة التوراتية التي نقلتها لهم كتب أهل الكتاب على حد وصفهم في ذلك الحين، فنجدهم يذكرون حبرون وأشدود وعسقلان باعتبارها أماكن وردت في القصة التوراتية، لكن تفاديا لما قد تسببه قصة بئر سبع من تناقض يعتمدون القصة الإسلامية عن زمزم ومكة ولتفسير ذهاب وعودة إبراهيم من جرار إلى مكة في نفس اليوم أوردوا في كتبهم قصة الدابة التي كانت تنقل إبراهيم بسرعة هائلة.


فمثلا الطبري في كتابه تاريخ الرسل والملوك في القرن الثالث الهجري والذي يعد أحد أهم وأقدم المراجع التي نهل منها أغلب من جاء بعده من المؤلفين يقول في معرض حديثه عن قبر إبراهيم : "إنه كان على مقدمة ذي القرنين الأكبر ، الذي كان أيام إبراهيم خليل الرحمن , صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وهو الذي قضى له ببئر السبع هي بئر كان إبراهيم احتفرها لماشيته في صحراء الأردن"

وعندما يتحدث عن قصة إسماعيل وهاجر يقول: "فوضعهما بمكة"، وعند الحديث عن قصة الذبح يقول: "كان إبراهيم فيما يقال إذا زارها يعنى هاجر حمل على البراق يغدو من الشأم فيقيل بمكة ويروح من مكة فيبيت عند أهله بالشأم"

لا يمكن أن تكون بئر سبع هي التي في تل أبو محفوظ وفي مكة في آن واحد، هذا يطرح مشكلة حقيقية في جغرافيا التوراة وارتباطها بجغرافيا فلسطين. وهذا ما تؤكده اللقى أﻷثرية ونتائج التنقيبات في فلسطين.

الدكتورة ليدار سابيرهن رئيسة مختبر علم آثار الحيوان في معهد علم الآثار في جامعة تل أبيب والدكتور إيرز بن يوسف في دراسة نشرتها مجلة معهد الآثار في جامعة تل أبيب في دراسة عن دور الحيوانات في الثقافة الإنسانية القديمة، في أواخر عام 2013 بعد  تنقيب وبحث في منطقة مواقع صهر النحاس في منطقة وادي عربة جنوب البحر الميت، و باستخدام الكربون المشع والأدلة المكتشفة في الحفريات يؤكدان أن أول ظهور للجمال في وادي عربة لم يكن قبل سنة 930  قبل الميلاد وأن هذا التاريخ يتوافق مع معطيات أخرى من النقب والمناطق الشمالية.

أما أستاذ علم آثار إسرائيل في العصر البرونزي والعصر الحديدي في جامعة تل أبيب، والمدير المشارك في التنقيب في تل مجدو في شمال فلسطين المحتلة إسرائيل فنكلشتاين والمؤرخ وعالم الآثار نيل سيلبرمان في كتابهما التوراة اليهودية مكشوفة على حقيقتها يقولان: "في الحقيقة، لقد كشف التنقيب في تل جمه (جبل صغير غرب بئر السبع وشرق دير البح) والذي كان يشكل مخزنا مهما جدا على طريق القوافل الرئيسي بين الجزيرة العربية والبحر الأبيض المتوسط كشف عن زيادة مثيرة في عدد عظام الجمال في القرن السابع ق.م كانت العظام كلها تقريبا لحيوانات بالغة مما يفيد بأنها كانت من الدواب المستخدمة لحمل الأثقال في الأسفار وليست من القطعان التي يتم تربيتها محليا وإلا لوجد بينها عظام حيوانات صغيرة أيضا"

أي أن نتائج التنقيبات الأثرية تجمع على أنه لم يكن هناك وجود للجمال قبل 930 ق.م زهذا يترتب عليه بشكل منطقي ومباشر أن القصة التوراتية عن دخول الجمال مع إبراهيم ولوط والتي يفترض أنها حدثت حوالي 1900 قبل الميلاد هي حدث مستحيل، وأن الخليل ليست حبرون وتل أبو محفوظ ليست بئر السبع وكل ما بُني على هذا الاسقاط باطل.






مصادر:

1- تقرير ناشيونال جيوغرافيك (باللغة اﻹنجليزية) حول تاريخ وجود الجمال في فلسطين: http://news.nationalgeographic.com/news/2014/02/140210-domesticated-camels-israel-bible-archaeology-science/
2- تقرير جامعة تل أبيب (باللغة اﻹنجليزية) حول عدم وجود آثار جِمال قبل 930 ق م في فلسطين:
https://archaeology.tau.ac.il/ben-yosef/pub/Pub_PDFs/Sapir-Hen&Ben-Yosef13_CamelAravah_TelAviv.pdf


3- التوراة اليهودية مكشوفة على حقيقتها - إسرائيل فنكلشتاين ونيل سيلبرمان





السبت، 15 يوليو 2017

علينا أن نختار إما قضية مقدسات أو قضية احتلال

نعيش حالة تيه منذ سبعين عاما لا نعرف كيف السبيل إلى الدخول إلى اﻷرض المباركة أو السبيل إلى استعادة وطننا وحقوقنا المغتصبة، تُهنا في الفكرة،  في إيجاد التعريف الحقيقي لقضيتنا والتبس علينا دورنا فيها، فهل نحن أهل الرباط المدافعون عن مقدسات أمّة دونًا عن شعوب العالم كلها أم نحن شعب يناضل من أجل تحرير أرضه واستعادة حقوقه المغتصبة ليعيش مثل بقية شعوب العالم كلها.

نعيش منذ عقود عذاب التهجير واللجوء والتشتت، بعضنا هنا وبعضنا اﻵخر في أي مكان إلا هنا، نناضل من أجل لمّ شمل، من أجل جواز سفر أو هوية، نتجرع عنصرية المطارات والموانئ والمعابر الحدودية لا لشيء إلا لأننا أصحب القضية.

اغتصب الاحتلال الصهيوني معظم أرضنا ويبتلع يوما بعد يوم المزيد منها، نعيش معاناة الدمار والحصار والجدار والانتظار حيث لا جدوى من الانتظار في هذا العالم الشاهد الصامت.

ما أن تنقل وكالات اﻷنباء خبرا عن القدس تتحرك العواطف وتشتعل الميكروفونات بالشعارات والدعوات للمؤازرة والمساندة التي سوف تتلاشى بعد سويعات إلى سراب.

إذا كان تعريف القضية الفلسطينية هو قضية مقدسات إسلامية اغتصبها محتلون يهود (وهو التعريف المعمول به منذ قرار التقسيم)، فعلى دول ما يسمى باﻷمة اﻹسلامية أن تتحمل مسؤولياتها كاملة من أجل استعادة هذه المقدسات وفي انتظار حدوث  ذلك عليها  أن تقدّم بلا منّة كل الوسائل الضرورية لعيش كريم للفلسطينيين الذين تضرروا من هذا الصراع على المقدسات التي تم اختيار أرضهم لتكون موقعا لها والاستمرار في حالة الانتظار وأن لا يتم اعتبار أعمال المقاومة والدفاع عن المقدسات إرهابا كما يحدث في الآونة الأخيرة .




وإن كان تعريف القضية الفلسطينية هو قضية احتلال أرض وتهجير  أهلها وحرمانهم من حقوقهم عليها، فهنا تكون القضية قضية الفلسطينيين كلهم:  في فلسطين المحتلة عام 48 وفي الضفة وغزة وفي الشتات، وعندها سيكون النضال بكل الوسائل من أجل استعادة أرضهم وحقوقهم  محل دعم واحترام كل من يؤازرون الحق في هذا العالم،  فلا يخاطبون العواطف ولا يستجدون المساعدة من أحد ولا يناشدون أحدا باسم المقدسات، فلا جدوى من مناشدة أنظمة  أغلبها تربطه علاقات طيبة مع الاحتلال ولا من شعوب لا حول لها ولا قوة بعضها يشعر  باليأس من حالة اللاجدوى التي يعيشون فيها.


علماء اﻵثار في كيان الاحتلال ينقبون منذ عقود عن أي أثر يؤكد الرواية التوراتية التي قام عليها هذا الاحتلال والتي تجعل من أرض فلسطين أرض مقدسات.. لم يجدوا شيئا، وبعضهم خرج عن صمته وأعلن أن لا أثر يؤكد حدوث هذه القصص على هذه اﻷرض  بل أكثر من ذلك ففي هذه اﻷرض ما ينفي حدوث قصص التوراة  فيها.

ورغم ذلك يعمل الاحتلال جاهدا من أجل ما سيمّكنه من دفن الحقيقة وترسيخ  الأكاذيب إلى اﻷبد، وهو الاعتراف بيهودية الدولة.


علينا أن نختار بين الدفاع عن مقدسات ليست لنا وأرض ليست لنا وهواء ليس لنا وحدنا بل هو ﻷمة بأسرها أو ندافع عن أرضنا وعن بحرنا وعن هوائنا وعن حقنا في أن نعيش قبل أن يتم تصفية قضيتنا وإلى اﻷبد.

الأربعاء، 12 يوليو 2017

فلسطينيو عسقلان

لقد ترسخت في الوعي الغربي صورة نمطية كرستها قصص التوراة وأفكار المستشرقين منذ قرون 
حول الدور الذي قام به الإسرائيليون عندما كانوا الواسطة التي قام من خلالها الرب يهوه بتطهير الأرض المقدسة الموعودة من فسق وفجور الفلسطينيين وغيرهم ممن سكنوا تلك الأرض.



الفلست أو الفلشتيم أو الفلسطينيون في التوراة كانوا يشكلون خمس ممالك، ورد ذكرها في سفر يشوع فيقول: أَقْطَابِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ الْخَمْسَةِ هم: الْغَزِّيِّون وَالأَشْدُودِيّونِ وَالأَشْقَلُونِيّونِ وَالْجَتِّيّونِ وَالْعَقْرُونِيّونِ.



بحيث: ( الغزيون من عزة التوراة / غزة) و (الأشددوديون هم قرية اسدود) و(الأشقلونيون من عسقلان المجدل) و الجتيون من (تل الصافي – قرب عجور في محافظة الخليل) و (العقرونيون من خربة المقنع – قرب الرملة) بحسب الاسقاط الذي يطبقه التوراتيون على جغرافيا فلسطين


ومما يصعب تصوره أن المنطقة الساحلية الممتدة من عسقلان إلى غزة كان بها خمس ممالك، أو خمس قبائل فالمنطقة صغيرة لا تتسع لهذا العدد من الممالك أو القبائل ولا تعرف هذا النوع من التقسيم وإلا لبقي متوارثا ولذكرته كتب البلدان والأعلام العربية القديمة.


هؤلاء الفلسطينيون حسب مفسري التوراة والمستشرقين قدِموا من كريت أو من بحر إيجه واستوطنوا هذه الأرض، وقد كانوا أجلافا وعماليق، ونذكر : التوراة منهم جالوت الجبار الذي قتله داود في معركة دارت في مكان تذكره التوراة في سفر صموئيل حيث يقول النص:



"وَجَمَعَ الْفِلِسْطِينِيُّونَ جُيُوشَهُمْ لِلْحَرْبِ، فَاجْتَمَعُوا فِي سُوكُوهَ الَّتِي لِيَهُوذَا، وَنَزَلُوا بَيْنَ سُوكُوهَ وَعَزِيقَةَ فِي أَفَسِ دَمِّيمَ.2وَاجْتَمَعَ شَاوُلُ وَرِجَالُ إِسْرَائِيلَ وَنَزَلُوا فِي وَادِي الْبُطْمِ، وَاصْطَفُّوا لِلْحَرْبِ لِلِقَاءِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ"







هذه الأماكن من غير الممكن العثور عليها في فلسطين، وإنما تم إسقاطها على مناطق تقع بين الخليل وساحل البحر.


وبفضل آلاف المؤلفات التي عمل عليها رجال دين ومؤرخون ومستشرقون تحوّلت هذه القصة في الوعي الغربي إلى ملحمة تاريخية ذات تأثير عالمي، وعلى سبيل الثمال في كتاب لمؤرخين حديثين، هما والتر لاكور وباري روبين كتبا في 1984 عن علاقة قصة بني إسرائيل القديمة باليهود الصهاينة:


"لقد كانت أرض إسرائيل مسقط رأس الشعب اليهودي، هنا تكونت هويتهم الروحية والدينية والقومية. وهنا حقق الشعب الاستقلال وأنشأ ثقافة كان لها أثر قومي عالمي. وهنا أيضا كتبوا الكتاب المقدس ووهبوه للعالم. وبعد النفي من أرض إسرائيل ظل الشعب اليهودي وفيا لهذه الأرض في جميع البلدان التي تشتت فيها ولم ينقطع قط عن الصلاة والأمل بالعودة إليها لاستعادة استقلاله القومي بدافع هذا الرابط التاريخي. جاهد اليهود طيلة القرون الماضية للعودة إلى أرض آبائهم ولاستعادة دولتهم. عاد اليهود بأعداد كبيرة في العقود الأخيرة. استصلحوا القفار وأعادوا إحياء لغتهم، بنوا المدن والقرى، وأسسوا مجتمعا قويا دائم النمو، له حياته الاقتصادية والثقافية الخاصة، سعوا إلى السلام لكنهم في الوقت نفسه استعدوا للدفاع عن أنفسهم. لقد جلبوا نعمة التقدم لجميع سكان البلد وتطلعوا للتحرر والاستقلال."


وبهذا الشكل ارتسمت صورة راقية للحركة الصهيونية في الغرب، وبالطريقة ذاتها تم تكريس صورة نمطية أخرى معاكسة عن الفلسطينيين مستمرة إلى يومنا بحيث لا زال معنى كلمة فلسطيني: بمختلف اللغات :Philistine, Philistin, Filestio, Filester هي كلمة مهينة تستخدم لوصف شخص لا يحب أو لا يفهم الفن والأدب والموسيقى وتقال للشخص لجلف غير المتحضر. 


في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين تم التقاط آلاف الصور في فلسطين وهذه الصور تعجّ بها أرشيفات عدة دول غربية، لقد كانت تلك الصور تقدم للجمهور الغربي الصورة المتخيلة النموذجية للأرض القديمة المقدسة: رعاة وقرويين وبدوا ونساء بأزياء قديمة يعيشون حياة بدائية. ويقابل هذه الصورة صورة أخرى لمهاجرين صهاينة بأزياء حديثة، يعملون في مزارع الكيبوتسات والمصانع وينقلون شعلة الحضارة الغربية إلى الأرض القديمة.
صهاينة قادمون من أوروبا

فلسطينيون من رام الله



لدرجة أنه بعد عامين من وعد بلفور الشهير الذي تعهدت فيه الحكومة البريطانية بتأييد إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، كتب بلفور العبارات العنصرية التالية:


"إن القوى الأربع العظمى ملتزمة بالصهيونية وسواء كانت الصهيونية على خطأ أم على صواب أو كانت شيئا جيدا أو سيئا فإنها متأصلة بعمق في تراث الماضي البعيد وفي حاجات الحاضر وآمال المستقبل وهي أهم بكثير من رغبات وتحيزات السبع مئة ألف عربي الذين يقطنون الآن تلك الأرض القديمة"



لكن آثار فلسطين تقدّم صورة مختلفة عن البشر الذين عاشوا في أواخر العصر البرونزي في فلسطين، فقبل سنوات وبعد بحث دام ثلاثين عاما اكتشف فريق تنقيب عن الآثار مقبرة كبيرة في عسقلان المدينة التي يزعم الصهاينة أنها إحدى المدن الفلسطينية الخمس المذكورة في التوراة.



المقبرة تحتوي على مئتين وأحد عشر هيكلا تعود للفترة ما بين القرنين 11- 8 ق.م، أي الفترة التي نشأت فيها مملكة إسرائيل الكبرى والمزعومة أنها كانت على أرض فلسطين. هذا العدد الكبير من القبور كافٍ ليوفر قاعدة بيانات ثرية جدا عن الحياة في تلك الفترة، عن والغذاء، والعادات الدينية والإجتماعية، ومعدلات الأعمار، وأسباب الوفاة وعادات الجنائز وعن أنواع الأمراض التي كانوا يعانون منها، بالإضافة لما يمكن أن يقدمه تحليل الحمض النووي من معلومات عن أصحاب هذه القبور.

ولو أن ما رشح من معطيات حتى الآن يعد قليلا، لكنه كاف ليكشف الكثير وليشكل صدمة لأصحاب تلك الصورة النمطية عن الفلسطينيين:


أولا أصحاب هذه القبور أحجام أجسادهم عادية... فلا عماليق ولا جبابرة بينهم!





ثانيا تمتع أصحاب هذه القبور بذوق فني رفيع، فقد امتلأت قبورهم بقوارير عطور، وآذانهم زينت بأقراط فضية دقيقة قد وأجسادهم بعقود وأقراط وأساور وخواتم مصنوعة من البرونز والعقيق والصدف والخرز مما يؤكد اهتمامهم بكل ما يتعلق بالذوق والجمال.



أمام هذا التناقض بين اللقى اﻷثرية والقصة التوراتية، فالمنطق لا يترك إلا خيارات قليلة:

- إما أن قصص التوراة هي قصص خيالية
- أو أن قصص التوراة تتحدث عن زمن أقدم وهذا أمر مستحيل ﻷن أحداث التوراة محصورة بأمور تتعلق بتتطور أدوات البشر وحضارتهم (مثل الكتابة والزراعة والصناعة)
- أو أن قصص التوراة حدثت في مكان آخر


لكن الحتمي والثابت  أن أصحاب قبور عسقلان لم يكونوا عمالقة ولا أجلافا، ولا علاقة لهم ببني إسرائيل، والصورة النمطية التي تكونت بعامل هذه القصة هي صورة زائفة.



رابط مشاهدة حلقة فلسطينيو عسقلان من سلسلة #تاريخ_فلسطين_المغيب :
https://www.youtube.com/watch?v=230z7VyTIxM

الخميس، 26 يناير 2017

مشهدان في الذاكرة من دمشق 1982


في عام اثنين وثمانين سافرت وعائلتي إلى الشام، لم تكن في وقتها رحلات مباشرة من الجزائر إلى عمّان، أقمنا بضعة أيام في دمشق، لم تكن تلك أولى الرحلات ولا آخرها، ولطالما حَمّلتني الشام ذكريات منها.
من تلك الرحلة حَملت بعض الذكريات، لكن أكثر ما أذكره مشهدان ارتسما في لوحتين طُبِعتا على جدار الذاكرة.
في المشهد الأول كنت أسير بصحبة والدي في أحد شوارع دمشق، عندما تسللت رائحة جذابة إلى أنفينا، لقد كانت أقوى من أن نقاومها... لقد جعلتنا نشعر بالجوع الشديد، فاستسلمنا سريعا.
كان مطعما صغيرا لبيع شطائر الفلافل، كان المكان مكتظا، اشترى والدي شطيرتين، وكان المطعم يقدّم أكواب لبن أيضا، فطلب والدي اثنين. أكلنا بِنَهم شديد.... كان طعم الفلافل الساخنة يمتزج مع اللبن البارد ويذوب في الفم وينساب... كانت كمية اللبن مناسبة جدا لحجم الشطيرة، أو هكذا هيُّئ لي فوزعت عدد رشفات اللبن بما يتناسب مع عدد اللُقم. لا أذكر أنني رفعت رأسي وأنا آكل إلا بعد أن أنهيت الشطيرة. لم يكن ذلك جوعا، لقد كان طعمها لذيذا فعلا..
ما أن أنهيت شطيرتي رفعت عيني تجاه والدي وكان هو أيضا ينظر إلي.. لم يكن باديا عليّ الشبع، فابتسمت عينا والدي وسألني: "كمان؟" فضحكت وأجبت سريعا "كمان"، فعاد والدي ووقف في طابور الزبائن واشترى لنا شطيرتين ودون أن ينسى كوبي لبن آخرين.
التهمناهما بنفس الاستمتاع.. كنا نتبادل النظرات ونضحك. كان مشهدا رائعا اجتمع فيه طعم الفلافل الساخنة مع اللبن وضحكاتنا أنا وأبي... شعرت بسعادة غامرة لا تنسى في تلك اللحظة.
أما في المشهد الثاني فكنت برفقة والدي أيضا، كان في الشارع باعة يفترشون الأرض يبيعون أشياء مختلفة، أحدهم كان كبيرا في السن، جذبت انتباهي بضاعته، ألعاب بألوان مختلفة بعضها متحرك ويُصدر أصواتا.. واصلنا المسير وبقيت عيناي تتفحص الألعاب زمنا، ثم وقفنا في مكان غير بعيد ربما لننتظر وسيلة نقل. في تلك الأثناء مرّ رجل طويل مفتول العضلات يلبس زيّا عسكريا مرقطا، وفي قدميه جزمة سوداء عالية، ويضع السروال داخلها، كُمّا القميص كانا مثنِيَيْن ومرفوعين فوق المرفقين، قبعة "البيريه" كانت حمراء مائلة فوق رأسه، كان يمشي مختالا.. كان منظره يدعو للإعجاب.
تابعته بعيني فترة من الزمن، ثم انتقلت عيناي لمشاهد أخرى في الشارع، ففي الشام لا يمكنك إلا أن تمتع ناظريك بما حولك. وفجأة سمعت رجلا يصرخ ويقول: "يا سِيدي، يا سِيدي" (بكسر السين ومدّ الدال)، كان ذلك صوت الرجل بائع الألعاب، كان لا يزال جالسا على الأرض، وكان يقف أمامه ذلك الرجل صاحب الزي العسكري الأنيق... لم أكن أسمع كلام الجندي، كنت فقط أسمع صوت الرجل الكبير وهو يتوسل، كان ينظر للجزمة ويتوسل وظل يردد يا سيدي يا سيدي، لم يشفع له توسله، رأيت الجزمة تركل فخذه، وبطنه، استلقى على الأرض والتف حول نفسه ليتخذ من تلك الوضعية درعا، وظل يصرخ ويتوسل، لم تمنع تلك الوضعية ولا توسلاته ركلات الجزمة..لقد رأيت الجزمة تضرب وجهه، ورأيت الدم يسيل من فمه... تلاشى كل شيء في ذلك الشارع ، لم أكن أرى إلا الرجل الكبير والجزمة... كان الشارع يعج بالمارة لكن أحدا منهم لم يحاول التدخل، لم يرغبوا في إزعاج العسكري ذي الزي المرقط... كان المشهد معقّدا جدا: شارع يعج بالمارة رجل قوي يضرب رجلا ضعيفا كان يبيع ألعابا على قارعة الطريق، لا أحد من المارة يتدخل... شعرت برغبة شديدة في الصراخ والبكاء.. كنت فقط أسأل: "ليش ليش؟"
لقد كنت صغيرا، بقي ذلك المشهد المعقّد راسخا في ذاكرتي... أستحضره في كل مرة أرى أو أسمع أخبار ظلم العسكر للناس. وأيضا المشهد البسيط في مطعم الفلافل الصغير، طعم الفلافل مع اللبن وضحكة أبي، بقي راسخا.. لدرجة أني في كل مرة أشتري شطيرة فلافل أطلب من البائع أن لا يضع معها سلطة طحينية وأن لا يضيف المخلل عليها، وأحاول أن أحصل على بعض اللبن لعلي أحصل على طعم كالذي تذوقته في الشام وأستذكر تلك اللحظات السعيدة مع والدي رحمه الله.

صفوت صافي

قصة قصيرة من الذاكرة: المتسول صاحب القشابية


كان يقف عند مخرج سوق "لاباستي" في وهران الباهية، كانت عيناه غائرتين، لم يكن بحاجة لنظارات سوداء ليثبت للناس أنه ضرير، مثل المتسول الذي كان يجلس في شارع خميستي، فقد كان يسترق النظر عندما يلقي أحد المارة قطعة نقطية في الطبق أمامه ويتحرك رأسه تلقائيا متتبعا أنثى فاتنة القوام.
كان ضرير لاباستي  يرتدي قشابية (جلابة من صوف) سوداء اللون يخفف من لونها الداكن خطوط متباعدة تنساب من الكتفين إلى أسفل فتمنح من يلبسها مظهرا أنحف، كان عمره مرسوما على تجاعيد وجهه، ومسموعا في نبرات صوته وهو يطلب العون.. كثير من الناس كانوا يلتفتون لنداءه ويجودون بما بقي في جيوبهم من قطع نقدية بعد شراء حاجاتهم من سوق لاباستي.
في يوم دخلت أنا وأصدقائي إلى أحد مطاعم شارع لاباستي، كانت حالة محافظنا يومها تسمح بهذا الترف، اتخذنا من طاولة في الزواية الداخلية موقعا لنا، جلست أنا في الزاوية، حيث مجال الرؤية أوسع. كان صاحب المطعم يجلس خلف طاولة مرتفعة بجانب الباب، وظهره للجدار، والمطعم أمام ناظريه. كان على الطاولة الأولى أمامه رجل يرتدي قشابية سوداء مخططة، إنه الرجل الضرير يتناول وجبة غذاء، طبقٌ من اللوبيا البيضاء المطبوخة مع رُبّ الطماطم واللحم وبجانبها سلة صغيرة بها قطع دائرية الشكل من الخبز الفرنسي.
أسعدني المشهد كثيرا، رجل مُعْوِزٌ يجلس في مطعم يتناول وجبة غذاء، صاحب المطعم بالكاد يتحرك، يدخنّ سيجارته بتأنّ، التفت باتجاهي وانتبه أني أنظر إليه فابتسم بوقار وأومأ برأسه ثم عاد لينظر أمامه، شعرت بغبطة شديدة، أخذت أتأمل وجه صاحب المطعم لعلي أُثري فراستي بتقاطيع أصحاب القلوب الطيبة، كان أسمر اللون، صغير العينين، بأنف مائل نحو الأعلى باستدارة خفيفة لا حدة فيه، ورأسٍ هجر الشَعر معظمه... قلت في نفسي ما أكرم هذا الرجل وما أطيبه، حتما هذه ليست أول مرة ولن تكون الأخيرة، هذا الرجل الوقور معتاد على إكرام الفقراء.. لو كَثرَ أمثاله لما بقي بين الناس محتاج.
قام الرجل صاحب القشابية المخططة، واتجه بدون عناء إلى طاولة صاحب المطعم، ذلك أكدّ حدسي بأنه يرتاد المطعم كثيرا وبات يعرف المكان جيّدا، زاد احترامي لصاحب المطعم، راقبت المشهد بلهفة، انتبه صاحب المطعم لاهتمامي، واكتفى بالابتسام مرة أخرى. تبادلا الحديث لكني لم أسمع شيئا، أخرج صاحب المطعم نقودا ورقية من الدرج أمامه وأعطاها لصاحب القشابية، قلت في نفسي يا الله، أي رجل هذا، يُطعم الرجل ويُعطيه مبلغا كبيرا من المال ... وأنا الذي فكرت بأن أطلب منه أن أدفع قسطا من ثمن الوجبة لأساهم في عمل الخير هذا... قررت أن لا أفعل، لن يقبل حتما رجل بهذا الكرم أن أشاطره كرمه. قررت أن أكتفي بتقديم الشكر له وتهنئته على كرم أخلاقه.
انتهينا من تناول طعامنا، لا أذكر ما أكلت يومها، لم تحتفظ ذاكرتي بهذه المعلومة، قصة صاحب القشابية كانت طاغية، اتجهت نحو صاحب المطعم، وقبل أن أبادر بكلمات الشكر، قال بصوت عالٍ: "شفت؟"، قبل أن أرد بالإيجاب أكمل: "كل يوم يأتي إلى هنا، كل يوم"
كان يقول ذلك بحسرة شديدة، لم أفهم سبب حسرته، فقلت بشكل استفهامي: لقد أعطيته الكثير من المال، فانفجر صاحب المطعم مغتاظا، صار فمه أكبر، ظهرت أسنانه السوداء من أثر التدخين، بدت عيناه أصغر، تحوّل هدوءه إلى انفعال ورفع يده مفتوحة الأصابع من أسفل باتجاه الأعلى حتى صارت كف اليد أمام الوجه، رفع حاجبيه وهز رأسه عكس اتجاه حركة اليد وقال: "يا الربّ العالي، شفت شفت؟! هذا الرجل يأتي كل يوم إلى هنا ومعه صرّة مَلأَى بالقطع النقدية، يضعها أمامي، ثم يجلس لتناول الغذاء، أعُدّ القطع وأستبدلها بأوراق نقدية، وأخصم ثمن وجبة الغذاء وأعطيه الباقي، ثم يخرج ويتجه نحو الحمام التركي المجاور، ويعطيه صرّة مماثلة، قال بكثير من التأثر والحسد: هذا المتسوّل يكسب أكثر مني.
أصابتني دهشة شديدة، ومشاعر متضاربة، تلاشى شعور الوقار والتبجيل الذي حملته لصاحب المطعم، تفهمت كلامه، بِعملية حسابية بسيطة ما يجمعه صاحب القشابية في الشهر يزيد 12 ضعفا عن منحة طلبة الجامعة التي يقبضونها مرة كل ثلاثة أشهر، وأكثر مرتين من أعلى دخل بين أساتذة الجامعة.
 كثير من المارة في شارع خميستي كانوا ينظرون للمتسوّل صاحب النظارة السوداء بازدراء كانوا يعرفون أنه يتظاهر بالعمي ليكسب تعاطف الناس ويأخذ مالهم، أما صاحب القشابية فقد كان يكسب تعاطف الناس تلقائيا، كان ذلك يجعل فرصته في الحصول على المال أكبر... التسوّل قد يُكسب تعاطف الناس، لكنه لا يُكسب احترامهم، صاحب المطعم يدرك ذلك، لكن ضيقه من زبونه سببه أنّه يعمل ويتعب طيلة أيام الأسبوع بينما صاحب القشابية يتسوّل في الخارج ويجني من المال ما لا يجنيه المطعم.
تسول الضرير أثار  استياء صاحب المطعم وضيقه، فماذا لو كان المتسوّل بصيرا قادرا على العمل مثل ذاك الذي في شارع خميستي، أليس من المُعيب أن يتسوّل القادر؟
صفوت صافي

الاثنين، 31 أكتوبر 2016

حكاية التوراة وصوت الآثار المُهمل

احتلال فلسطين وقتل وتهجير أبنائها قائم على حكاية توراتية وضع المؤرخون والمفسرون أرض فلسطين مسرحا لها، بالرغم من أن آثار فلسطين تروي حكاية أخرى، إلا أن صوت الآثار تم إخراسه وعلا صوت الحكاية.

تقول الحكاية في التوراة أن إبرام (إبراهيم) رحل مع زوجته وابن أخيه لوط بحدود 1900 ق.م من أور (العراق) إلى أرض كنعان (فلسطين)،  فذهبوا أولا إلى حاران (في تركيا) ثم رحلوا إلى أرض كنعان مرورا بدمشق (سوريا) وأقاموا في شكيم ثم بيت إيل ومنها إلى أرض الجنوب ثم إلى مصر (جمهورية مصر العربية) ثم عادوا إلى أرض الجنوب وكان مع إبراهيم ولوط غنم وبقر وحمير وعبيد واماء واتن وجمال، وبعد مخاصمة بين رعاة مواشي أبرام ورعاة موشي لوط (سفر التكورين 13) رحل لوط إلى دائرة الأردن وبقي إبراهيم في أرض كنعان حيث: قَالَ الرَّبُّ لأَبْرَامَ، بَعْدَ اعْتِزَالِ لُوطٍ عَنْهُ: «ارْفَعْ عَيْنَيْكَ وَانْظُرْ مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ شِمَالاً وَجَنُوبًا وَشَرْقًا وَغَرْبًا، لأَنَّ جَمِيعَ الأَرْضِ الَّتِي أَنْتَ تَرَى لَكَ أُعْطِيهَا وَلِنَسْلِكَ إِلَى الأَبَدِ. (سفر التكوين 13).



المشكلة في هذه القصة ليس فقط في خط  الرحلة الطويل والغريب من أور في العراق إلى الأرض الموعودة في فلسطين مرورا بتركيا وسوريا ومصر، لكن المشكلة تكمن في ما كشف عنه عالما الآثار الإسرائيليان إيريز بن يوسف وليدار سابرهن من جامعة تل أبيب بأن الجمال التي تتم تربيتها لم تدخل فلسطين قبل 930 ق.م (المصدر من مقال على ناشيونال جيوغرافيك) بل ذهب نيل سيلبرمان وإسرائيل فنكلشتاين في كتابهما التوراة اليهودية مكشوفة على حقيقتها إلى  أن التنقيب في تل جمة في الساحل الفلسطيني كشف عن زيادة مثيرة في عدد عظام الجمال في القرن 7 ق.م، فكيف يمكن قبول إسقاط القصة التوراتية على المنطقة رغم أن نتائج التنقيبات تثبت عكس ذلك تماما.


تل جمة قرب دير البلح


وتستمر الحكاية التوراتية فيعيش إبراهيم وولداه إسماعيل واسحاق في أرض كنعان، ثم صرف إبراهيم بناء على طلب من زوجته سراي  (سارة) اسماعيل وأمه هاجر المصرية إلى برية بئر السبع (سفر التكوين 21) وبقي اسحق وأمه سراي في أرض كنعان، وأنجب اسحق يعقوب، الذي ذهب إلى فدان أرام وتزوج فيها ابنتي خاله لابان وأثناء عودته من فدان أرام إلى أرض كنعان "صَارَعَهُ إِنْسَانٌ حَتَّى طُلُوعِ الْفَجْرِ.  وَلَمَّا رَأَى أَنَّهُ لاَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، ضَرَبَ حُقَّ فَخْذِهِ، فَانْخَلَعَ حُقُّ فَخْذِ يَعْقُوبَ فِي مُصَارَعَتِهِ مَعَهُ.  وَقَالَ: " أَطْلِقْنِي، لأَنَّهُ قَدْ طَلَعَ الْفَجْرُ». فَقَالَ: «لاَ أُطْلِقُكَ إِنْ لَمْ تُبَارِكْنِي».  فَقَالَ لَهُ: «مَا اسْمُكَ؟» فَقَالَ: «يَعْقُوبُ».  فَقَالَ: «لاَ يُدْعَى اسْمُكَ فِي مَا بَعْدُ يَعْقُوبَ بَلْ إِسْرَائِيلَ، لأَنَّكَ جَاهَدْتَ مَعَ اللهِ وَالنَّاسِ وَقَدَرْت" (سفر التكوين 34) ثم سكن يعقوب في أرض شكيم (نابلس) من أرض كنعان.

وكان ليعقوب ثلاثة عشر ابنا أحدى عشر من زوجة يكرهها إسمها ليئة ابنة ابن خاله لابان واثنان من أختها راحيل التي كان يحبها، وهما يوسف وبنيامين. ووتقول الحكاية أن يعقوب كان يفضّل يوسف على بقية أبنائه مما أشعل نار الغيرة في قلوب إخوته غير الأشقاء فألقوه في بئر فسحبه رجال مديانيون وباعوه للإسماعيليين بعشرين فضة، فأتوا بيوسف إلى مصر. (سفر التكوين 37)، وبعد حبسه وبسبب تفسيره لحلم فرعون، قام بإخراجه من السجن وجَعَله على كل أرض مصر وكان ذلك بحسب مؤرخي التوراة بحدود سنة 1700 ق.م. في أثناء ذلك قام يوسف باستقدام أهله من بئر السبع من أرض كنعان ليعيشوا في أرض جاسان من أرض مصر (سفر التكوين 46)



رغم جمالية القصة واحتواءها على عوامل الإثارة والإلهام والمتعة  لكن علماء الآثار الذين تناولوا تاريخ "بلاد جمهورية مصر" يعرفون تمام المعرفة أن لقب فرعون لم يظهر ولا حتى مرة واحدة في كل آثارها، و لم يرد إسم يوسف أبدا في كل سجلاتها التي دونت أسماء معظم حكامها، فكيف يهمل مدونو التاريخ القبطي – المصري تدوين أسماء أبطال قصة عظيمة مثل قصة يوسف؟

ثم تسرد التوراة في سفر الخروج كيف توالد بنو إسرائيل وزاد عددهم في مصر وامتلأت الأرض منهم، فخاف ملك البلاد من كثرتهم فقرر أن يستعبدهم، ويقتل أبناءهم لكن لحسن حظه نجى موسى ولما صار شابا قتل رجلا مصريا وفرّ إلى مديان وقضى سنوات هناك يرعى غنم حثرون كاهن مديان، حتى كلمه الرب يهو "وقال الرب لموسى في مديان إذهب ارجع الى مصر لأنه قد مات جميع القوم الذين كانوا يطلبون نفسك" (سفر الخروج 4)، فذهب موسى برفقة أخيه هارون إلى فرعون " وقالا لفرعون هكذا يقول الرب إله إسرائيل أطلق شعبي ليعيّدوا لي في البرية" (الخروج 5)، وبعد رفض هذا الطلب مرات عديدة، قاد موسى خروجا جماعيا من رعمسيس لأكثر من ست مائة ألف رجل من بني إسرائيل  ومعهم غنم وبقر ومواش كثيرة متجهين إلى جبل حوريب.




هذه القصة حيّرت علماء الآثار، لإن إسقاط هذه القصة على جغرافيا مصر وفلسطين يعدّ مستحيلا، فعلى سبيل المثال كيف يمكن أن ينزح أكثر من نصف مليون إنسان في ظل وجود حامية عسكرية كالتي تم الكشف عنها في تل حبوة في القنطرة شرق السويس والتي قدّر علماء الآثار أنها كانت تتسع لخمسين ألف جندي؟

الحامية العسكرية في تل حبوة في الإسماعيلية شرق السويس



ومن جهة ثانية فقد أكد باحث الآثار الإسرائيلي في جامعة تل أبيب إسرائيل فنكلشتاين أن عين  القديرات الواقعة شرق سيناء والتي تم اعتبارها عين مشفاط (قادش) التي وردت في التوراة في قصة الخروج، سُكنت لأول مرة في القرن السابع قبل الميلاد وليس قبله، فإن لم يُقِم بنو إسرائيل في عين القديرات في سيناء عند خروجهم من مصر، فأين أقاموا أو بالأحرى من أين خرجوا ليعيّدوا للرب يهو في البرية؟




ولو افترضنا أنهم خرجوا من مصر وأقاموا في أماكن أخرى غير عين القديرات وأنهم تمكنوا من تجاوز وخداع كل الحاميات العسكرية  فإلى أين يمكنهم أن يذهبوا طالما أن عمليات التنقيب كشفت عن وجود حاميات عسكرية في بيسان ويافا ودير البلح في فلسطين، كما  كشفت عمليات التنقيب عن وجود عشرات التوابيت الطينية الشبيهة بالتوابيت المصرية في دير البلح وبيسان وتل دوير جنوب غرب القدس، والتي يؤكد علماء الآثار أنها كانت مقاطعة إدارية تابعة للدولة في مصر وكانت عاصمتها في غزة. فكيف حدث الخروج ومن أين وإلى أين؟




وثم تروي التوراة في سفر صاموئيل أحداث معركة تدور بين الفلسطينيين والإسرائيليين:
" وَجَمَعَ الْفِلِسْطِينِيُّونَ جُيُوشَهُمْ لِلْحَرْبِ، فَاجْتَمَعُوا فِي سُوكُوهَ الَّتِي لِيَهُوذَا، وَنَزَلُوا بَيْنَ سُوكُوهَ وَعَزِيقَةَ فِي أَفَسِ دَمِّيمَ.2 وَاجْتَمَعَ شَاوُلُ وَرِجَالُ إِسْرَائِيلَ وَنَزَلُوا فِي وَادِي الْبُطْمِ، وَاصْطَفُّوا لِلْحَرْبِ لِلِقَاءِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ.3 وَكَانَ الْفِلِسْطِينِيُّونَ وُقُوفًا عَلَى جَبَل مِنْ هُنَا، وَإِسْرَائِيلُ وُقُوفًا عَلَى جَبَل مِنْ هُنَاكَ، وَالْوَادِي بَيْنَهُمْ.4 فَخَرَجَ رَجُلٌ مُبَارِزٌ مِنْ جُيُوشِ الْفِلِسْطِينِيِّينَ اسْمُهُ جُلْيَاتُ، مِنْ جَتَّ، طُولُهُ سِتُّ أَذْرُعٍ وَشِبْرٌ"

فلم يجرأ أحد من بني إسرائيل على الخروج لمبارزة العملاق الفلسطيني، حتى خرج له شاب إسمه داود وصرع الفلسطيني بمقلاع.



الموقع الذي افترضه مفسرو التوراة لمعركة الإسرائيليين والفلسطنيين بين بيت لحم وعسقلان

بحسب مفسري ومؤرخي التوراة تدور أحداث هذه المعركة  بين الإسرائيليين والعمالقة الفلسطينيين الأجلاف في وادي السنط غرب بيت لحم وشرق عسقلان، لكن آثار المنطقة ترسم صورة مختلف عن الصورة التي ترسمها الحكاية، ففي 2013 عثرت فرق التنقيب في عسقلان عن مقبرة بها 211 رفاة يعود تاريخها للفترة الواقعة بين القرنين 11 و8 ق.م، أي تماما في الفترة التي وقعت فيها معركة وادي البطم بين الإسرائيليين والفلسطينيين في التوراة. واللافت للانتباه في الهياكل العظمية التي عُثر عليها في هذه المقبرة أنها كلها بأحجام عادية ، أي أن الفلسطينيين الذين كانوا يقطنون هذه المنطقة لم يكونوا عمالقة، وليس ذلك فقط، فقد احتوت القبور على قوارير عطور وحُلِيّ وأقراط وخواتم وأساور وأشياء أخرى تؤكد اهتمام الفلسطينيين بالذوق والأزياء وكل ما يتعلق بالجمال والأناقة فكيف 
يكون هؤلاء الناس أجلافا؟


هيكل عظمي لفلسطيني في مقبرة عسقلان

أواني العطور في مقبرة عسقلان



ثم تنقل  القصة التوراتية أخبار مملكة عظيمة قامت في المنطقة بين 1050 و930 ق.م حكمها شاول وداود ومن بعده إبنه سليمان الذي اتخذ من القدس عاصمة له وبنى الهيكل فيها.

صورة متخيلة لهيكل سليمان في أورشليم


في سفر أخبار الأيام الثاني يقول النص عن عظمة ملك سليمان: " وَجَعَلَ الْمَلِكُ الْفِضَّةَ وَالذَّهَبَ فِي أُورُشَلِيمَ مِثْلَ الْحِجَارَةِ"
وفي سفر الملوك الأول يقول النص عن حريم سليمان: " وَكَانَتْ لَهُ سَبْعُ مِئَةٍ مِنَ النِّسَاءِ السَّيِّدَاتِ، وَثَلاَثُ مِئَةٍ مِنَ السَّرَارِيِّ، فَأَمَالَتْ نِسَاؤُهُ قَلْبَهُ."


يقول إسرائيل فنكلشتاين ونيل سيلبرمان عن هذه الثروة الخيالية: "هي تفاصيل أكثر مبالغة من أن تكون حقيقة فعلا"، ثم يضيفان بشكل يثير تساؤلا منطقيا: "لا يوجد لداود ولا لسليمان أي ذكر في أي نص تاريخي واحد مصري، أو ما بين النهرين"
فشلت كل التنقيبات في العثور على أثر واحد لهيكل سليمان في القدس، ورجح فنكلشتاين سبب هذا الفشل لأن القدس قبل القرن 7 ق.م لم تكن أكثر من قرية صغيرة ولم تكن بأي حال من الأحوال عاصمة لدولة عظيمة.

وفي ذات السياق يقول توماس تومسون من جامعة كوبنهاغن في كتابه (The Mythic Past)  الماضي الأسطوري: " قصص الكتاب المقدس حول شاول وداود وسليمان لا علاقة لها بالتاريخ على الإطلاق"

بينما يقول زئيف هرتسوغ بروفيسور علم الآثار في جامعة تل أبيب: " الاكتشافات الأثرية لا تدعم أبدا بل وفي كثير من الحالات تتعارض مع قصص الكتاب المقدس التي تصف ولادة الشعب اليهودي "

أما الباحثة مارغريت ستينر فتقول عن التنقيبات حول العصر الحديدي في مدينة القدس: " لا بقايا لمدينة، وإن كانت هناك مدينة في أي وقت مضى فلا أثر لأسوارها، ولا لأي من بواباتها، ولا منازلها. ولا قطعة واحدة من العمارة فيها. ببساطة لا شيء! "

وفي كتابه (In The Shadow Of The Temple: The Discovery Of Ancient Jerusalem) في ظلال الهيكل اكتشاف القدس القديمة، يؤكد عالم الآثار الإسرائيلي مائير بن دوف أنه لا يوجد هيكل تحت الأقصى.

أما كيث وايتلام  أستاذ الدراسات الدينية في جامعة "ستيرلينغ" الإسكتلندية في كتابه "إختراع إسرائيل، إسكات التاريخ الفلسطيني" فيقولها بصريح العبارة، لقد تم إستغلال الآثار لتزوير تاريخ المنطقة للتوافق مع حكاية  التوراة.. آثار المنطقة تروي حكاية أخرى.






إن كان هذا ما يقوله علماء الآثار فعن أي هيكل يبحث الصهاينة في القدس؟



أثار صدور قرار من الينويسكو الذي اعتبر الأقصى تراثا إسلاميا خالصا غضب الحكومة الإسرائيلية فقد خلا نص القرار من أسماء الأماكن في القدس بالمصطلحات اليهودية فاستخدم القرار مثلا مصطلح الأقصى وليس جبل الهيكل مما دفع نتنياهو للقول بأن اليونيسكو لم تقرأ التوراة، وقام المتحدث بإسم نتنياهو أوفير جندلمان على تويتر بنشر صفحة من كتاب للهيئة الإسلامية  سنة 1924 تقر فيه بوجود الهيكل استنادا على نص من سفر صامويل، وهذا نتيجة طبيعية للإفلاس الصهيوني، ففي ظل فشل كل أعمال التنقيب في طول فلسطين وعرضها وفي منطقة الشرق الأوسط كلها عن إثبات قصص التوراة فسيلجأ سياسيو الكيان الصهيوني لاستخدام ورقة النص الديني المقدّس.

صفحة الكتاب التي اعتمد عليها المتحدث بإسم نتنياهو والتي تشير لسفر صامويل عندما لم تسعفه الآثار في إثبات يهودية القدس


وتجدر  الإشارة هنا إلا أن أغلب تفسيرات النصوص الدينية اليهودية والمرويات التي بنيت عليها أسقطت منذ قرون قصص التوراة على القدس وما حولها، وقد وقع المؤرخون المسلمون في نفس هذا الخطأ عندما نقلوا على لسان رهبان يهود قصصا تتعلق بوجود الهيكل في القدس، فصاحب أكبر كتابين في التفسير والتاريخ أبو جعفر الطبري في كتابه تاريخ الرسل والملوك يروي على لسان كعب الأحبار ذات القصص الي يرردها رجال الدين اليهود حول القدس والتي أثبتت الاكتشافات الآثارية بشكل قاطع عدم صحتها: " عن رجاء بن حيوة عمن شهد قال لما شخص عمر من الجابية إلى إيلياء فدنا من باب المسجد قال ارقبوا لي كعبا فلما انفرق به الباب قال لبيك اللهم لبيك بما هو أحب إليك ثم قصد المحراب محراب داود عليه السلام وذلك ليلا فصلى فيه ولم يلبث أن طلع الفجر فأمر المؤذن بالإقامة فتقدم فصلى بالناس وقرأ بهم ص وسجد فيها ثم قام وقرأ بهم في الثانية صدر بني إسرائيل ثم ركع ثم انصرف فقال علي بكعب فأتي به فقال أين ترى أن نجعل المصلى فقال إلى الصخرة فقال ضاهيت والله اليهودية يا كعب وقد رأيتك وخلعك نعليك فقال أحببت أن أباشره بقدمي فقال قد رأيتك بل نجعل قبلته صدره كما جعل رسول الله صلى الله عليه و سلم قبلة مساجدنا صدورنا اذهب إليك فإنا لم نؤمر بالصخرة ولكنا أمرنا بالكعبة فجعل قبلته صدره ثم قام من مصلاه إلى كناسة قد كانت الروم قد دفنت بها بيت المقدس في زمان بني إسرائيل فلما صار إليهم أبرزوا بعضها وتركوا سائرها وقال يا أيها الناس اصنعوا كما أصنع وجثا في أصلها وجثا في فرج من فروج قبائه وسمع التكبير من خلفه وكان يكره سوء الرعة في كل شيء فقال ما هذا فقالوا كبر كعب وكبر الناس بتكبيره فقال علي به فأتي به فقال يا أمير المؤمنين إنه قد تنبأ على ما صنعت اليوم نبي منذ خمسمائة سنة فقال وكيف فقال إن الروم أغاروا على بني إسرائيل فأديلوا عليهم فدفنوه ثم أديلوا فلم يفرغوا له حتى أغارت عليهم فارس فبغوا على بني إسرائيل ثم أديلت الروم عليهم إلى أن وليت فبعث الله نبيا على الكناسة فقال أبشري أورى شلم عليك الفاروق ينقيك مما فيك وبعث إلى القسطنطينية نبي فقام علىتلها فقال يا قسطنطينية ما فعل أهلك ببيتي أخربوه وشبهوك كعرشي وتأولوا علي فقد قضيت عليك أن أجعلك جلحاء يوما ما لا يأوي إليك أحد ولا يستظل فيك علي أيدي بني القاذر سبأ وودان فما أمسوا حتى ما بقي منه شيء (تاريخ الرسل والملوك للطبري)"

قصص التوراة لم تحدث في فلسطين، أعمال فرج ديب والصليبي والربيعي والدبش وعدد كبير من الباحثين والمفكرين كشفت النقاب عن الجغرافيا الحقيقية لهذا الكتاب وأظهرت بشكل لا يدع مجالا للشك أنه لا علاقة بين الصهاينة الذين يحتلون فلسطين وبين بني إسرائيل القبيلة العربية القديمة، وبالتالي فإن الصهاينة لا حق لهم لا في فلسطين ولا غيرها.



في هذه الأيام تمر الذكرى التاسعة والتسعون لوعد بلفور المشؤوم الذي تعهد بموجبه وزير خارجية بريطانيا  آرثر جيمس بلفور بتاريخ 2  نوفمبر 1917 إلى اللورد ليونيل وولتر دي روتشيلد بتأييد الحكومة البريطانية إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين. اليوم لدينا كل القرائن التي تؤكد أنه لا حق تاريخي لا للصهاينة ولا لليهود في كل فلسطين، وعلى كل العالم أن يدرك هذه الحقيقة ويساهم في إعادة الاعتبار للشعب الفلسطيني عبر استعادة حقوقه كاملة غير منقوصة.



لقد أسكت الساسة ورجال الدين صوت الآثار في المنطقة لعقود طويلة، وحرموا المنطقة من كتابة تاريخها الصحيح والتخلص من التاريخ المزوّر الذي جلب للمنطقة الحروب والخراب.. في هذا العالم المتصل لنستمع قليلا لصوت الآثار ولنطالب بتصحيح تاريخنا، فذلك سيسارع حتما في تخليص العالم من هذا الكيان العنصري الصهيوني وما يسببه من كوارث في عالمنا.

مصادر:
1- Margreet Steiner: It's Not There: Archaeology Proves a Negative (http://www.truthbeknown.com/jerusalem.htm)
2- https://www.goodreads.com/book/show/12928949-in-the-shadow-of-the-temple
3- مقبرة عسقلان: http://news.nationalgeographic.com/2016/07/bible-philistine-israelite-israel-ashkelon-discovery-burial-archaeology-sea-peoples
4- اكتشاف حامية تل حبوة في الإسماعيلية: http://www.reuters.com/article/us-egypt-archaeology-idUSTRE5465N120090507
5- الجمال في فلسطين: http://news.nationalgeographic.com/news/2014/02/140210-domesticated-camels-israel-bible-archaeology-science/