السبت، 11 أغسطس 2018

موشيه دايان لص اﻵثار الذي سرق آلاف القطع اﻷثرية الفلسطينية والمصرية


مدينة دير البلح تقع جنوب مدينة غزة وهي مدينة عريقة جدا وبها الكثير من المواقع الأثرية، ويعتبرها من أسقطوا الرواية التوراتية على جغرافيا فلسطين من المناطق التي كانت خاضعة للفلسطينيين الذي قدموا من البحر واستوطنوا هذه الأرض.


بعد حرب الأيام الستة قامت عالمة الآثار الصهيونية ترود دوثان من الجامعة العبرية بالتنسيق مع وزارة الدفاع على دراسة  موقع دير البلح اﻷثري على مدى سنوات، وقد كشفت في تقاريرها عن كثير من الآثار الثمينة التي تم العثور عليها في هذا الموقع.

ترود دوثان

موقع دير البلح اﻷثري

هذه الآثار تشمل: عشرات من التوابيت الطينية ذات غطاء على شكل وجه وهي شبيهة جدا بالتوابيت المصرية القديمة. هذه التوابيت شبيهة بتوابيت أخرى تم العثور عليها في مطلع القرن العشرين في بيسان، وأخرى تم العثور عليها في تل الفرح جنوب قطاع غزة وفي تل دوير جنوب غرب القدس، ومؤخرا في زرعين في مرج ابن عامر وسحاب قرب العاصمة الأردنية عمان
أحد توابيت دير البلح



توابيت دير البلح



واحد من توابيت بيسان

غطاء تابوت عُثر عليه في تل الفرح جنوب غزة
تابوت عُثر عليه في زرعين في مرج ابن عامر

غطاء تابوت عُثر عليه في سحاب جنوب عمّان




تم العثور أيضا في زرعين في مرج ابن عامر شمال  فلسطين على ختم من العقيق كان موضوعا على خاتم من ذهب، الختم عليه رسومات ونُقش عليه إسما آمون رع ورمسيس الثاني.

ختم من العقيق


وفيها أيضا تماثيل أوشبتي وهي تماثيل تشبه المومياوات كانت توضع في المقابر المصرية القديمة بملامح تشبه  ملامح المتوفى.
تمثال أوشبتي





وفي مقابر الموقع عُثر على تابوت كان به هيكلان عظميان لرجل وامرأة متعانقان، وأطلق على هذا التابوت إسم تابوت روميو وجولييت، وقد احتوي على قلائد ومعلقات ذهبية عى شكل سعف النخيل، ومجوهرات من الذهب والعقيق والخرز والمرمر، وملعقة كانت تستخدم للتجميل على شكل فتاة عارية تسبح، وهي شبيهة بمعالق تحمل ذات الشكل وتم العثور عليها في أماكن مختلفة من مصر.


تابوت روميو وجولييت
من محتويات القبر

ملعقة مصرية قديمة


كما عثر على قطع من ابو جعل أو الجعران المصري القديم وهي قطع من السيراميك 
خضراء اللون عل شكل خنفسة الروث كان قدماء المصريين يصنعونها للزينة.
أبو جعل



هذا الموقع الأثري يعود للفترة ما بين القرنين الثالث عشر والحادي عشر ق.م أي للفترة التي يزعم فيها التوراتيون والصهاينة حدوث خروج لبني إسرائيل من مصر وغزو لأرض كنعان.


عبر مشاهدة هذه الآثار يمكن بكل بساطة إيجاد العلاقة التي تربط هذه الآثار بمصر  القديمة.
 يقول كثير من علماء الآثار الصهاينة ويؤيدهم في ذلك كثير من علماء الآثار  الغربيون، أن فلسطين كانت تابعة لمصر القديمة وأن عاصمتها الإدارية كانت في غزة. وبالتالي فإن قصة الخروج تصبح قصة مستحيلة!



سواء كانت هذه التوابيت لموظفين مصريين من الطبقة الحاكمة أو كانت لأثرياء من المنطقة فهي من دون شك تؤكد تلك العلاقة بين هذه المنطقة ومصر القديمة بالإضافة إلى أن وجود توابيت أخرى جنوب القدس وفي بيسان ومرج ابن عامر وقرب العاصمة الأردنية، في نفس زمن الخروج والغزو الإسرائيلي يجعل من حدوث القصة التوراتية في هذه المنطقة أمرا مستحيلا. 


لكن لقصة موقع دير البلح جانب آخر، فدير البلح ليست فقط شاهدة على تاريخ مختلف، ولكنها أيضا شاهدة على إحدى أكبر حوادث سرقة الآثار التي عرفتها المنطقة والتي قام بها رئيس الأركان الصهيوني في العدوان الثلاثي ووزير الدفاع في حرب 67: موشيه ديان. 

موشيه دايان




يقول موشيه دايان في كتابه الحياة مع الكتاب المقدسّ: لم أكن مطمئنا فقط بإسرائيل التي أستطيع أن أراها وألمسها، لكني أتوق لإسرائيل الآيات الخالدة وأسماء الكتاب المقدّس وأردت أن تصبح ملموسة أيضا" 

من كتاب موشيه دايان


المؤرخ الفلسطيني سليم المبيض وثق أن الاحتلال الإسرائيلي دخل في عام 1956 لشهور قليلة واحتل القطاع، وأول ما فعله البحث عن الآثار وسرقتها، وبعد عام 1967 أصبحت هذه السرقات سياسة ينتهجها الاحتلال. 


من توابيت دير البلح




كان موشيه ديان يقوم بالحفر بنفسه، وقد سرق عشرات الآلاف من القطع الأثرية من مختلف المناطق في فلسطين، وأكبر كمية من المسروقات جمعها من سيناء في الفترة التي تلت حرب 67، وكان موشيه ديان يستغل منصبه كوزير للدفاع فقد استخدم سلاح الجو في مهمة أطلق عليها إسم عملية الحجر لنقل مسلّات مصرية من سيناء إلى حديقة منزله ، التي كان يفتخر بأنها تجمع هذا الكم الهائل من القطع الأثرية. 


موشيه دايان في حديقة منزله التي تعجّ باﻵثار المسروقة



ومن الصور الشهيرة التي تجمع موشيه ديان ببن غوريون صورة بن غوريون وهو يزور ديان في المستشفى بعد تعرض للإصابة أثناء قيامه بعمليات حفر من منطقة يازوْر قرب يافا، وله صورة تم نشرها في مجلة التايم الأمريكية تجمعه بتوابيت دير البلح.

بن غوريون يعود دايان في المشفى بعد تعرضه للإصابة أثناء عمليات حفر لسرقة آثار


وله صورة تم نشرها في مجلة التايم الأمريكية تجمعه بتوابيت دير البلح. 





يقول عالم الآثار الإسرائيلي “أفيس غورون” المسؤول عن الحفريات في سيناء بين عامي 1978 و 1982 “أن موشي دايان كان يعطي الأوامر بالتدمير الكامل للمواقع الأثرية بعد سرقتها بحيث يستحيل تقويم الأهمية التاريخية لهذه المواقع، ويحمّل كثير من علماء الآثار عالمة الآثار ترود دوثان التي كانت مسؤولة عن التنقيب في دير البلح المسؤولية الأخلاقية عن ما حدث من تخريب ونهب في الموقع بصفتها عالمة آثار كان الأجدر بها أن تخبر بشكل محايد وموضوعي عن ما حدث في دير البلح بدل التغاضي عنه وقد سمى البعض ما حدث بفضيحة دير البلح. 

موشيه دايان




بعد وفاة موشي ديان عام 1981 باعت زوجته قسماً من الآثار المسروقة لمتحف إسرائيل بقيمة مليون دولار، فيما وهبت القسم الآخر للمتحف أيـضاً وسمّته “مجموعة موشي دايان الأثرية” تحت عنوان (عودة الإنسان إلى وطنه) ضمت نماذج مما سرقه من مختلف المناطق الفلسطينية والمصرية ومن بينها 22 تابوتا من دير البلح. بالطبع الإسم الذي أطلق على المجموعة يوضح التوظيف السياسي والفكري والتاريخي لهذه السرقة، وقد أثار ذلك سخط وسخرية الآثاريين الإسرائيليين ومن بينهم أمينة متحف إسرائيل السابقة رفقة مرخاف ، التي قالت بسخرية هل دير البلح وطن ديان؟ كان الأجدر أن تسمى المجموعة آثار الفلسطيني في وطنه. 

من كتاب "ما بين الماضي والحاضر" لنيل سيلبرمان


وقد سخر اهارون كمبيسكي أحد الأثاريين الإسرائيليين من عرض المسروقات في متحف إسرائيل بالقول :هذا من اغرب الأمور التي تحدث في دولة إسرائيل، فبدل من أن تذهب المسروقات إلى مركز الشرطة، ذهبت إلى متحف إسرائيل. 

توابيت دير البلح


ومؤخرا عُرض في 'متحف إسرائيل' في القدس تابوتان مصريان من خشب الجميز، كانا بحوزة موشيه ديان، وظلا لسنوات في أقبية المتحف، إلى حين تم ترميمهما وعرضهما في المتحف. 


تابوتان مصريان قديمان كانا بحوزة موشيه دايان


هذه اﻵثار تروي قصة هذه المنطقة ، وهي قصة مختلفة حتما عن القصة التوراتية التي أُسقطت عليها.

في انتظار إعادة كتابة تاريخ المنطقة بناء على آثارها....




مصادر: 


















الثلاثاء، 8 مايو 2018

القدس ليست عاصمة مملكة سليمان

بعد عقود من التنقيب في القدس بحثا عن أي دليل يؤكد الراوية التوراتية  التي قام عليها احتلال مدينة ، القدس وكل فلسطين، فشلت كل أعمال الحفر في العثور على أثر واحد لهيكل سليمان ولا حتى ﻷية بقايا تعود لمدينة يُفترض أنها كانت عاصمة المملكة الموحدة العظيمة التي تصفها أسفار التوراة.

تقول الدكتورة الباحثة من جامعة ليدن في هولندا، مرغريت شتينر في   تقريرها عن  النشرات النهائية لتنقيبات فريق عالمة اﻵثار البريطانية كيثلين كينيون في القدس وحملات التنقيب الرئيسية الثلاثة اﻷخرى التي شهدتها القدس بين 1961 و1985: "يجب إعادة كتابة تاريخ القدس، بشكل يتناسب مع  استيعابنا التدريجي للسجل الأثري ، فما يتم العثور عليه  من أدلة  يُشكك في افتراضات قديمة جدا حول تاريخ المدينة. وهذا ينطبق بشكل خاص على الفترات الثلاث التي كانت ولا زالت موضع نقاش وجدال: العصر البرونزي المتأخر، العصر الحديدي الأول وبداية العصر الحديدي الثاني. تاريخ هذه الفترات حساس جدا ﻷنه  في نهاية المطاف يتعلق بتاريخية العهدين المجيدين لداود وسليمان  (على اﻷقل وفقا للكتاب المقدس) ووجود النظام الملكي الموحد لإسرائيل."

سأستعرض في السطور التالية أهم ما جاء في تقرير مرغيت شتينر والنتيجة التي وصلت إليها استنادا على المنطق وعلى اللقى اﻷثرية .

اهتمت شتينر بتحليل اللقى اﻷثرية المرتبطة بالعصور التالية:


1- العصر البرونزي المتأخر (1550-1200 قبل الميلاد) وهو الفترة التمهيدية التي سبقت إسرائيل، وكان مسرحها منطقة التلال في فلسطين (المقصود الضفة الغربية). 


2- العصر الحديدي الأول (1200-1000 قبل الميلاد)، ما يُعرف بـفترة القضاة في المصطلحات الكتابية، هو حقبة ما قبل اتحاد القبائل الإسرائيلية ال 12 . 


3- بداية العصر الحديدي الثاني الذي يوافق فتح داوود ﻷورشليم حوالي 1000 قبل الميلاد. وفترتي حكم داوود وسليمان  التي دامت كل  واحدة منهما 40 عاما وفقا للكتاب المقدس .


فتطرح الباحثة التساؤلات التالية:

ما هو الحال الذي كانت عليه القدس في الفترة التي سبقت ظهور إسرائيل؟ ماذا الذي كانت عليه خلال فترة ال 200 عام من فترة القضاة، والتي وفقا للكتاب المقدس، لم تكن إسرائيل قادرة فيها على الاستيلاء على أورشليم؟ (على الرغم من أن الإسرائيليين غزوا المدينة، على ما يبدو لم يتمكنوا من الاحتفاظ بها (القضاة 1 :8 و حارب بنو يهوذا أورشليم و اخذوها و ضربوها بحد السيف و اشعلوا المدينة بالنار)، وما مدى تاريخية فتح داوود المثير للقدس؟ هل كان ثمة مدينة خلال الفترة المفترضة لحكمي داوود وسليمان؟



تقول شتينر : "أدى الإخفاق في نشر أدلة من الحفريات الكبيرة التي أجريت في القدس منذ عام 1960 إلى ظهور مشاكل خطيرة بالنسبة للباحثين الراغبين في دراسة القدس في تلك الفترات.  فقد توفي مدراء حملات الحفريات الأربعة الرئيسية دون كتابة تقارير نهائية. 

وهذه الحملات اﻷربع هي على التوالي:


1- بين 1961 و 1967 كاثلين كينيون نقبت في التلة الجنوب شرقية المعروفة باسم مدينة داود، وهي تمثل أقدم جزء مأهول من القدس. 



2- في الفترة من 1968 إلى 1978، بعد حرب الأيام الستة، حفر بنيامين مازار جنوب جبل الهيكل في المنطقة المعروفة باسم أوفل (تل الظهور). 



3- نحمان أفيغاد نقب في الحي اليهودي في المدينة القديمة من 1969 إلى 1983.

4- يغال شيلوه نقب في مدينة داود من عام 1978 إلى عام 1985.



قامت لجنة باسم المدرسة البريطانية للآثار في القدس بتخصيص جزء من مواد الحفر إلى البروفسور هـ. فرانكن من جامعة ليدن، الذي طلب مرغريت شتينر الانضمام إليه للعمل كمساعد باحث.

مرغريت شتينر



شملت المواد المرسلة إلى ليدن الوثائق الميدانية وقطع الفخار  من المواقع التي نقبت فيها كينيون وكان على شتينر  أن تعد تحليلا علميا، لتحديد تاريخ القطع الفخارية وكتابة معالجة تاريخية للنتائج.

 وهذا تطلب دراسة مكثفة ليس فقط لمواد تنقيبات كيثلين كينيون، ولكن لكل ما هو متاح من التنقيبات الأخرى.



تاريخ القدس في العصر البرونزي المتأخر والعصر الحديدي يقوم عادة على تحليل المصادر المكتوبة - الكتاب المقدس وبعض النصوص والوثائق الأثرية، مثل رسائل تل العمارنة التي تعود للقرن 14 ق.م، ثم يتم توظيف المواد الأثرية لتوضيح وتأكيد هذه الصورة. لكن مرغريت شتينر قررت التحرك في الاتجاه المعاكس، وأن تكون البداية من اللُقى  اﻷثرية وليس من النصوص.


تقول شتينر في تقريرها:
"معظم مواد العصر البرونزي المتأخر التي تم العثور عليها في القدس كان مصدرها من مقابر، وخاصة مقبرة في جبل الزيتون التي احتوت على مئات من الأواني، أغلبها محلية الصنع، ومن حفرة جنوب المدينة، التي احتوت بعض الفخار والجعران".

وتضيف وبشكل حازم وجازم: " لكن لم يتم العثور على أي بقايا لبلدة، ناهيك عن مدينة، من أي وقت مضى: لا أثر ﻷسوار ، ولا بوابات، ولا منازل. ولا قطعة معمارية واحدة. ببساطة لا شيء!"




أما عن رسائل تل العمارنة التي يُفترض أن تاريخها يعود للقرن 14 ق.م ويُعتقد أن ستة خطابات منها تعود لحاكم اسمه عبدي هيبا ويذكر فيها مكانا اسمه أوروساليم يعتقد بعض العلماء أنها كانت عاصمة دولة  أو على الأقل المدينة المركزية لمنطقة كبيرة.


تناقش شتينر في تقريرها الحجج التي قدمها الباحث ناداف نعمان في مقالة  في مجلة علم الآثار التوراتي حول رسائل تل العمارنة والتي حاول فيها  باستخدام المماثلة إثبات أن القدس يجب أن تكون أيضا مدينة مزدهرة في القرن 10 ق.م  أي خلال فترتي حكم داوود وسليمان.

أي  طالما  أن أوراساليم مذكورة في رسائل تل العمارنة في القرن 14 ق.م رغم عدم وجود بقايا آثار لهذه المدينة في القدس فهذا دليل على أن أورشليم (داوود وسليمان) القرن 10 ق.م كانت موجودة رغم عدم وجود  بقايا آثار لها. أي أن اﻷدلة اﻷثرية السلبية ليست أدلة سلبية (أدلة نفي) لأحداث وردت في نصوص.


باستخدام المنطق تتساءل شتينر: " ماذا يمكننا أن نقول عن حقيقة أن لدينا رسائل تل العمارنة التي بعث بها حاكم يعيش في أوروساليم في القرن 14 قبل الميلاد. في ظل انعدام أدلة  لأي استيطان في القدس؟


فتضع الاحتمالات التالية:

هناك ثلاثة تفسيرات محتملة فقط لماذا لم يتم اكتشاف أي عصر برونزي متأخر في القدس: (1) لم يتم التنقيب بما يكفي في القدس. (2) كل ما بقي من آثار قد تآكلت أو ردمت في العصور القديمة. (3) لا يوجد آثار أساسا.



وتجيب شتينر في تقريرها على الاحتملات الثلاث في تقريرها تباعا:

1- يمكن بسهولة إقصاء الاحتمال الأول. فقد تم حفر أربعة خنادق كبيرة في أربع تنقيبات رئيسية في منحدرات مدينة داود، حيث اتفق الجميع على أن المستوطنة القديمة يجب أن تكون موجودة بسبب قربها من نبع جيجون (نبع أم الدرج)، وهو مصدر المياه الوحيد المتاح في ذلك الوقت. وتشمل هذه الحفريات الأربعة، بترتيب زمني، الخندق الكبير الذي حفره ريموند ويل قبل الحرب العالمية الأولى. خندق كروفوت على المنحدر الغربي (الخنادق الأخرى كانت على المنحدر الشرقي بالقرب من نبع جيجون)، حفرت بين الحربين؛ وخندق كاثلين كينيون حُفر في 1960 ؛ وخندق ييغال شيلوه  حفر في السبعينات والثمانينات. وقد تُقبت هذه الخنادق إلى الطبقة السفلى. ومع ذلك لم يتم العثور على عمارة الفترة البرونزية المتأخرة في أي منها. وكانت شقوق الفخار من هذه الفترة ضئيلة إلى معدومة.


وبالإضافة إلى ذلك، تم حفر العديد من الخنادق العميقة في المدينة القديمة وحولها، وكلها أسفرت عن نتائج سلبية مماثلة

وهذا هو أكثر من كاف لتحديد ما إذا كان هناك أو لم يكن هناك مدينة في العصر البرونزي في القدس.

مناطق الحفر والتنقيب في القدس



2- أما عن احتمالية ردم البقايا اﻷثرية لتلك الفترة تقول شتينر أن المشكلة  هي أنه إذا كانت هناك مدينة من أي حجم موجودة في مكان ما بالقرب من نبع جيجون، فإن الكثير من القطع الفخارية من تلك المستوطنة كانت ستبقى موجودة. حتى لو كانت البقايا المعمارية قد تم ردمها لسبب ما، فقد تم استرجاع قطع من العصر البرونزي المتأخر من العديد من الخنادق الكبيرة التي تم حفرها.  كما أن هناك هناك وفرة في قطع من أوان خزفية من بدايات العصر البرونزي الأوسط ومن العصر الحديدي الثاني.


وبالتالي فإنه من الصعب التصور أن ليس فقط البقايا المعمارية، ولكن أيضا بقايا الفخار وغيرها من اللقى الصغيرة الصغيرة قد اختفت جميعا، وخاصة أن آثار  العمارة وقطع الفخار  من العصر البرونزي الأوسط (2200-1550 قبل الميلاد)، ظلت موجودة. 



أما الاحتمال الثالث: فالمنطق يستوجب أن سبب عدم العثور  على  أي أثر لمدينة العصر البرونزي المتأخر رغم كل تلك الحفريات المكثفة هو أن لم  تكن هناك مدينة في العصر البرونزي المتأخر أساسا.



وبخصوص رسائل تل العمارنة تقول شتينر:  ربما أوروساليم لم تكن مدينة كبيرة على الإطلاق. ربما كانت "أرض أوروساليم" تشير ببساطة إلى مجال ملكي للفرعون، الذي كان عبدي-هيبا خادما عنده. ربما عاش عبدي هيبا في منزل محصن في مكان ما بالقرب من نبع جيجون.




وفي مقارنة بين نصوص الكتاب المقدس واللقى اﻷثرية تقول شتينر: " المصادر التاريخية للعصر الحديدي الأول (1200-1000 قبل الميلاد)،  هي فقط أسفار الكتاب المقدس، ومعظمها كانت مكتوبة في وقت لاحق من ذلك بكثير. واستنادا إلى الروايات التوراتية، فإن الصورة التقليدية لأورشليم في هذه الفترة هي أنها بلدة صغيرة محصنة جيدا يسكنها اليبوسيون، وهي مدينة أو مركز دولة  مستقلة. وفقا لقصص أسفار صموئيل والملوك والأخبار، هذه المدينة الصغيرة تمت السيطرة عليها من قبل الملك داود، الذي حولها إلى عاصمة الملكية المتحدة في إسرائيل. وقام خليفة داوود، الملك سليمان، بتوسيع المدينة وبناء العديد من القصور وهيكل كبير. ويصف الكتاب المقدس أورشليم كمدينة جميلة، عاصمة الإمبراطورية الكبيرة والثرية.




ثم تشرح الباحثة أن الدراسات اﻷكاديمية بدأت تقوض هذه الصورة:

فالوضع الأثري الذي  في العصر البرونزي المتأخر هو ذاته ظل قائما في العصر الحديدي الأول: فهناك القليل جدا من الأدلة الأثرية على وجود مدينة  في العصر الحديدي الأول أو في 1000 قبل الميلاد،

وتضيف: "ما يمكن أن نقوله، من الناحية الأثرية، هو أنه في وقت ما في القرن العاشر أو أوائل القرن التاسع قبل الميلاد، أصبحت القدس مدينة صغيرة، تحتلها مبانٍ عامة. ولم تغطِ أكثر من 30 فدانا، بما في ذلك منطقة جبل الهيكل. ولم يكن فيها أكثر من 2000 شخص.  ومن غير المحتمل أن تكون هذه القدس عاصمة دولة كبيرة، مثل أورشليم عاصمة الملكية المتحدة.





ولتتبع تاريخ القدس منذ البداية يمكن استعراض المكتشفات اﻷثرية:

- العصر البرونزي المبكر (3000-2300 ق.م) : بعض المقابر الصخرية ومبنى صغير، ربما ضريح

- العصر البرونزي الوسيط (2300-2000 ق.م) : العديد من القرى الزراعية تم العثور عليها بالقرب من القدس، على طول الوديان، على الرغم من أن الموقع نفسه غير مستوطن. ومع ذلك، تم العثور على مقبرة مع أحد عشر قبرا  على جبل الزيتون.

- بداية العصر البرونزي الأوسط، حوالي 1800 قبل الميلاد: بلدة بنيت على تلة جنوب شرق، وهي ما يعرف الآن باسم مدينة داود

 - النصف الثاني من العصر البرونزي الأوسط (1700-1550 ق.م) : لا توجد بقايا معمارية ولا فخارية. لأسباب غير معروفة، المدينة ببساطة توقفت عن الوجود بعد مجرد 100 سنة.


- العصر البرونزي المتأخر (1550-1200 ق.م)، المقابر فقط تشهد على وجود البشر في المنطقة. ولكن لم يتم العثور على أي بقايا في أي مكان بالقرب من نبع  جيجون تؤكد ما تذكره رسائل تل العمارنة حول أوراساليم.



- العصر الحديدي الأول (1200-1000 ق.م)، تم العثور على بناء مدرج ولم يتم العثور على بقايا بلدة من هذه الفترة.




أي لا وجود لبلدة حتى يستولي عليها   داوود ولا أثر لعاصمة أو مدينة كبيرة بنى فيها سليمان هيكله وقصوره العظيمة.



ما اكتشفته الدكتورة مارغريت شتينر من خلال دراستها لمنشورات حملات التنقيب في القدس انطلاقا من اللقى اﻷثرية وليس من النصوص، هو أن آثار القدس تؤكد أنه لم يكن في القدس مدينة في القرن العاشر ليفتحها داوود ولا بقايا لمدينة من أي حجم في الوقت المفترض لمملكة سليمان.

وبما أنه لا يمكن إزاحة المجال الزمني ﻷحداث التوراة التي تم اسقاطها على جغرافيا فلسطين والمنطقة إلى عصور أقدم ولا إلى عصور أحدث، فالاحتمالات المتاحة لحل هذه المشكلة محدودة:

- إما أن أحداث التوراة هي أحداث أسطورية
- أو أنها أحداث بعضها تاريخي لكن حدثت في جغرافيا أخرى لا علاقة لها بفلسطين

والثابت أن القدس لم تكن عاصمة إسرائيل القديمة، فلماذا عليها أن تكون عاصمة لدولة إسرائيل القائمة على مزاعم تنسفها كل اﻷدلة العلمية؟






الخميس، 7 ديسمبر 2017

كذبة ترامب

اعترف الرئيس اﻷمريكي دونالد ترامب في خطابه بتاريخ 6-12-2017 بالقدس عاصمة لإسرائيل تمهيدا لنقل السفارة اﻷمريكية من تل أبيب إليها.

استند ترامب في خطابه لتبرير قراره هذا على كذبة مركبة لا يملك أحد في هذا العالم القدرة على إثباتها، إذ قال: “القدس عاصمة الشعب اليهودي التي أنشئت في العصور القديمة” وهو بذلك يستخدم أسطورة لفرض واقع سياسي.

تنطوي هذه الجملة على كذبتين كبيرتين:

اﻷولى هي مصطلح "الشعب اليهودي" وهو بذلك يحاول الربط بين اليهود الذين قامت الحركة الصهيونية والدول التي دعمتها بتهجيرهم من شتى دول العالم وتوطينهم في فلسطين، واليهود الذين تتحدث عنهم قصص التوراة تحت مسمى أسباط إسرائيل. ولا يحتاج اﻷمر الكثير من المنطق لمعرفة أنه لا يمكن أن يكون الخزر واﻹثيوبيون والهنود والعرب شعبا واحدا، والدليل العلمي القاطع على ذلك من علم الوراثة إذا لا يمكن اطلاقا إثبات أن الصهاينة الذين يحتلون فلسطين يشكلون شعبا واحدا.


الثانية أن القدس كانت عاصة لشعب يهودي في العصور القديمة، وهو أمر قد فشلت فرق التنقيب اﻷربعة التي حفرت وبحثت في القدس على مدى عقود وهي على الترتيب:


- حفريات ما بين 1961 و1967 جنوب الأقصى قرب سلوان تحت إدارة عالمة اﻵثار البريطانية كاثلين كينيون
- حفريات ما بين 1968 و 1978 شمال اﻷقصى تحت إدارة عالم اﻵثار الصهيوني بنيامين مازر
- حفريات ما بين 1969 و1983 في حارة اليهود تحت إدارة عالم اﻵثار الصهيوني نحمان أفيجاد
- حفريات ما بين 1978 و1985 جنوب اﻷقصى قرب سلوان تحت إدارة عالم اﻵثار الصهيوني يغال شيلوه


تقول عالمة اﻵثار مرغريت شتينر في جامعة ليدن في هولندا، توفي مديرو الحفريات اﻷربع ولم يتم الانتهاء من تقرير نهائي واحد لهذه الحفريات.


بعد عمل شتينر مع البروفيسور فرانكن من جامعة ليدن كمساعد باحث لدراسة المواد الناتجة عن الحفريات من فخاريات وغيرها قالت ستينر في تقرير لها:

 لم يتم العثور على أي بقايا من بلدة، ,ولالمدينة، من أي وقت مضى: لا أثر للسور، ولا لبوابة، ولا

بيوت. ولا قطعة معمارية. ببساطة لا شيء!”

But no remains of a town, let alone a city, have ever been found: not a trace of an encircling wall, no gate, no houses. Not a single piece of architecture. Simply nothing!

باختصار لم يتم العثور على شيء يعود لفترة القرنين التاسع والعاشر قبل الميلاد، أي الفترة المفترضة لمملكتي داود وسليمان. فمدينة القدس لم تكن عاصمة لهاتين الممـلكتين ﻷنها لم تكن موجودة أساسا.


ما قام به الرئيس اﻷمريكي هو توظيف خرافة من أجل فرض واقع سياسي، في حين يمكن توظيف العلم والحقيقة من أجل فرض واقع سياسي أكثر عدالة. فهل من مستثمر للحقيقة؟


السبت، 2 ديسمبر 2017

الخليل ليست حبرون التوراة

 الخليل هي كبرى مدن الضفة الغربية،  يحتل مئات المستوطنين بلدتها القديمة تحت حراسة آلاف الجنود لاعتقادهم بأنها حبرون التوراتية.


بعد احتلالها في عام 1967 أنشأ الاحتلال فيها أول مستطونة في الضفة الغربية وهي كريات أربع، ثم تمت زراعة بؤر استيطانية داخل البلدة القديمة عملت على التضييق على سكان البلدة القديمة من أجل طردهم منها والاستيلاء على عقاراتهم. وهؤلاء المستوطنون هم من أكثر الصهاينة تطرفا وعنصرية ويقومون تحت حماية الجيش بمضايقة أهل البلدة بشتى الوسائل ومعاناة أهل تل رميدة خير شاهد على ذلك.

سبب هذا الاحتلال الاستيطاني هو اعتقاد الصهاينة أن الخليل هي حبرون التوراة "قرية أربع" التي اشترى فيها إبراهيم مغارة المقفلة ليدفن فيها زوجته سارة والتي يعتقد الكثيرون أن هذا المغارة موجودة تحت المسجد الإبراهيمي بالخليل.


هذا المكان التوراتي له قدسية عظيمة عند اليهود، فهم يعتقدون بحسب كتاب الزوهار اليهودي بأن:



  • من عنده تم طرد آدم وحواء من الجنة
  • به قبر آدم وحواء
  • عند ذلك الكهف رأى إبراهيم نورا وسمع غناء الملائكة من داخل الجنة
  • به بوابة تمر من خلالها أرواح الصالحين إلى جنة عدن

المقفلة باب الجنة التي  من خلاله تم طرد آدم وحواء من الجنة


ولهذا السبب يعتقدون أن إبراهيم أصرّ على شرائه ليدفن زوجته سارة فيه

يقول النص التوراتي في سفر التكوين:
وَمَاتَتْ سَارَةُ فِي قَرْيَةِ أَرْبَعَ، الَّتِي هِيَ حَبْرُونُ، فِي أَرْضِ كَنْعَانَ. فَأَتَى إِبْرَاهِيمُ لِيَنْدُبَ سَارَةَ وَيَبْكِيَ عَلَيْهَا.
وَقَامَ إِبْرَاهِيمُ مِنْ أَمَامِ مَيِّتِهِ وَكَلَّمَ بَنِي حِثَّ قَائِلا أَنَا غَرِيبٌ وَنَزِيلٌ عِنْدَكُمْ. أَعْطُونِي مُلْكَ قَبْرٍ مَعَكُمْ لأَدْفِنَ مَيْتِي مِنْ أَمَامِي  فَأَجَابَ بَنُو حِثَّ إِبْرَاهِيمَ قَائِلِينَ لَهُ اِسْمَعْنَا يَا سَيِّدِي. أَنْتَ رَئِيسٌ مِنَ اللهِ بَيْنَنَا. فِي أَفْضَلِ قُبُورِنَا ادْفِنْ مَيْتَكَ، لاَ يَمْنَعُ أَحَدٌ مِنَّا قَبْرَهُ عَنْكَ حَتَّى لاَ تَدْفِنَ مَيْتَك فَقَامَ إِبْرَاهِيمُ وَسَجَدَ لِشَعْبِ الأَرْضِ، لِبَنِي حِثَّ،  وَكَلَّمَهُمْ قَائِلاً: «إِنْ كَانَ فِي نُفُوسِكُمْ أَنْ أَدْفِنَ مَيْتِي مِنْ أَمَامِي، فَاسْمَعُونِي وَالْتَمِسُوا لِي مِنْ عِفْرُونَ بْنِ صُوحَرَ  أَنْ يُعْطِيَنِي مَغَارَةَ الْمَكْفِيلَةِ الَّتِي لَهُ، الَّتِي فِي طَرَفِ حَقْلِهِ. بِثَمَنٍ كَامِل يُعْطِينِي إِيَّاهَا فِي وَسَطِكُمْ مُلْكَ قَبْرٍ 



يعتبر اليهود رفض إبراهيم أخذ الكهف بالمجان وإصراره على دفع ثمنه لأصحابه (الحثيين أو الحيثيين) هو صك ملكية لهذا الكهف لنسله أو شعبه من بعده.

ويعتقدون أنه دُفن فيه أيضا إبراهيم واسحق وزوجته رفقة، ويعقوب أيضا بعدما ذهب إلى مصر التوراتية عند ابنه يوسف طلب من أبنائه أن يدفن في المقفلة


يقول النص التوراتي في سفر التكوين عن وصية يعقوب ابن اسحق ابن إبراهيم ﻷبنائه:


  • 49 :29 و اوصاهم و قال لهم انا انضم الى قومي ادفنوني عند ابائي في المغارة التي في حقل عفرون الحثي
  • 49 :30 في المغارة التي في حقل المكفيلة التي امام ممرا في ارض كنعان التي اشتراها ابراهيم مع الحقل من عفرون الحثي ملك قبر
  • 49 :31 هناك دفنوا ابراهيم و سارة امراته هناك دفنوا اسحق و رفقة امراته و هناك دفنت ليئة
  • 49 :32 شراء الحقل و المغارة التي فيه كان من بني حث
  • 49 :33 و لما فرغ يعقوب من توصية بنيه ضم رجليه الى السرير و اسلم الروح و انضم الى قومه


بالنسبة لليهود المتدينين طلب يعقوب إسرائيل أن يُدفن في المقفلة هو عودة رمزية لإسرائيل وشعبه من بعده إذ يعتقد الصهاينة من مختلف الأعراق والجنسيات أنهم من نسله وأنهم بذلك يجب أن يعودوا إلى أرض إسرائيل.



وترد حبرون أيضا في قصص أخرى في التوراة، أهمها هو ما يرد في سفر التكوين عن قصة يوسف:


  • 12 و مضى اخوته ليرعوا غنم ابيهم عند شكيم
  • 13 فَقَالَ إِسْرَائِيلُ لِيُوسُفَ: «أَلَيْسَ إِخْوَتُكَ يَرْعَوْنَ عِنْدَ شَكِيمَ؟ تَعَالَ فَأُرْسِلَكَ إِلَيْهِمْ». فَقَالَ لَهُ: «هأَنَذَا».
  • 14 فَقَالَ لَهُ: «اذْهَبِ انْظُرْ سَلاَمَةَ إِخْوَتِكَ وَسَلاَمَةَ الْغَنَمِ وَرُدَّ لِي خَبَرًا». فَأَرْسَلَهُ مِنْ وَطَاءِ حَبْرُونَ فَأَتَى إِلَى شَكِيمَ.
  • 15 فَوَجَدَهُ رَجُلٌ وَإِذَا هُوَ ضَالٌّ فِي الْحَقْلِ. فَسَأَلَهُ الرَّجُلُ قَائِلاً: «مَاذَا تَطْلُبُ؟»
  • 16 فَقَالَ: «أَنَا طَالِبٌ إِخْوَتِي. أَخْبِرْنِي «أَيْنَ يَرْعَوْنَ؟».
  • 17 فَقَالَ الرَّجُلُ: «قَدِ ارْتَحَلُوا مِنْ هُنَا، لأَنِّي سَمِعْتُهُمْ يَقُولُونَ: لِنَذْهَبْ إِلَى دُوثَانَ». فَذَهَبَ يُوسُفُ وَرَاءَ إِخْوَتِهِ فَوَجَدَهُمْ فِي دُوثَانَ.




أي أن يعقوب أرسل الفتى يوسف من حبرون (الخليل) إلى شكيم (نابلس) مسافة ثمانين كيلومترا ليطمئن على إخوته الذين يرعون المواشي، وعندما لم يستدل على إخوته سأل رجلا فقال له أنهم في دوثان أي عند عرابة قرب جنين أي على مسافة عشرين كيلومترا.



منطقيا الرقعة الجغرافية التي يمكن أن تحدث فيها قصة كهذه هي أصغر بكثير من الرقعة التي تم اسقاطها على فلسطين بين الخليل وجنين، الرعاة يبنون خيامهم ويرعون مواشيهم في المناطق المجاورة لهم, وبالتالي فحبرون وشكيم ودوثان في التوراة هي مناطق قريبة جدا من بعضها البعض وهي حتما ليست الخليل ونابلس وجنين.



هذه القصص الدينية المتعلقة بالمقفلة و باب الجنة وآدم وحواء وإبراهيم واسحق وإسرائيل كلها قصص جعلت المتدينين اليهود يعتبرون البلدة القديمة في الخليل من أكثر الأماكن قدسية بالنسبة لهم وأكثرها الهاما ليؤمنوا بحقهم الديني في أرض فلسطين ورفع مكانتهم باعتبارهم شعب الله المختار.



هذا الإيمان بالنسبة الصهاينة سبب كافٍ لاحتلال المدينة وإقامة بؤر استيطانية فيها، لذلك بعد حرب 67 مباشرة قام الصهاينة ببناء أول مستوطنة في الضفة الغربية وهي مستوطنة كريات أربع على إسم "قرية أربع" كما وردت في التوراة تماما كما كانت المقفلة أول شيء اشتراه إبراهيم وصار ملكا بعد ذلك لشعب إسرائيل في القصة التوراتية.

يعتقد الصهاينة أن كهف المقفلة يقع تحت هذا بناء ما يعرف الآن بالحرم الإبراهيمي، هذا البناء عمره بحسب علماء الآثار 2000 سنة وهو في الأساس بناء مستطيل لا سقف له حجارته سميكة وبعض حجارته يتجاوز طولها السبعة أمتار، ولم يعثر منقبو الآثار على باب له ولم يحددوا سببا لبنائه وخصوصا وأنه بني بعدي ألفي سنة تقريبا من الزمن المفترض لقصة إبراهيم.


ورغم أن تاريخ البناء يعود للفترة التي أرخ فيها الكاتب اليهودي يوسيفوس والذي يعتقد الكثيرون أنه أرخ للحكم الروماني في القرن الميلادي الأول في فلسطين إلا أنه لم يذكر أي شيء عن هذا البناء.



بحدود القرن السادس الميلادي وفي عهد الدولة البيزنطية تم سقف البناء بشكل جزئي وتم تحويله لكتدرائية، وفي القرن السابع في العهد الإسلامي تم تحويله لمسجد، وفي المرحلة الصليبية تم تحويل المكان لكنيسة، حتى جاء الأيوبيون فحولوه لمسجد مجددا ووضعوا فوق زواياه الأربعة مآذن بقي منها اثنتان فقط.


بعد حرب 67 دخل جيش الاحتلال مباشرة للمدينة وأقام فيها على مدى سنوات عدة بؤر استيطانية وانتهج سياسة عدوانية عنصرية تهجيرية تجاه سكان المدينة، وأقام الحواجز الحديدية والبوابات الاكترونية في أغلب شوارع المدينة وخاصة القريبة من البؤر الاستيطانية ومن المسجد الإبراهيمي.

وفي 1994 ارتكب الصهيوني باروخ جولدشتاين الذي استوطن في كريات أربع مجزرة كبيرة راح ضحيتها 29 من المصلين وأدت إلى تقسيم المسجد الإبراهيمي زمانيا ومكانيا،  بين الفلسطينيين والصهاينة.


قام الصهاينة بعدة عمليات حفر تحت أرضية المسجد ولم تسفر عن أي شيء، هذه الحفريات تركت ،درجا وحفرة يمكن الدخول لها من فتحتين وهما مغلقتان الآن، وفور انتهاء حرب الأيام الستة في 67 قام موشيه دايان بإنزال فتاة إسمها ميشال عمرها أحدى عشر عاما بواسطة حبل من الفتحة الأولى لاكتشاف المكان.

الطفلة ميشال التي أنزلها موشيه دايان أسفل المسجد اﻹبراهيمي



المكان الآن يحتوي على ضريحين واحد باسم اسحق وآخر باسم زوجته رفقه في القسم الباقي مع الفلسطينيين، وضريحين باسم إبراهيم وسارة في منطقة وسطية لها نوافذ، وثلاثة أضرحة بأسماء يعقوب وليئة ويوسف في القسم الخاضع للصهاينة.

التقسيم المكاني للمسجد اﻹبراهيمي بين الفلسطينيين والصهاينة



في سنة 2011 أثار قرار من اليونيسكو يعتبر المسجد الإبراهيمي ومسجد بلال بن رباح مواقع تراثية فلسطينية غضب الساسة ورجال الدين الصهاينة الذين اعتبروا القرار نفيا لارتباط الموقعين بالقصص التوراتية وبالتالي نفيا لحق الصهاينة فيها.



وبالمقابل لم يصدر أي رد علمي من علماء الآثار الإسرائيليين على القرار وهنا سأقتبس جملة من دراسة للمركز الألماني للدراسات الأمنية بعنوان علم الآثار والصراع الإسرائيلي الفلسطيني، تقول:
"علماء الآثار المختصون متفقون على أن قبر الآباء في الخليل محض خيال"


 تقديس مدينة الخليل والاعتقاد بأنها حبرون التوراتية  يعود لزمن قديم نسبيا وليس حديث العهد، لكن بالمقابل  فشلت كل التنقيبات اﻷثرية في إيجاد دليل واحد يؤكد حدوث قصص التوراة فيها بل على العكس اللُقى اﻷثرية في فلسطين والمنطقة يُنافي قصص التوراة، ويبقى السؤال مطروحا:


لماذا على أهل الخليل وفلسطين أن يدفعوا ثمن احتلال قائم على قصص لا دليل عليها؟



السبت، 30 سبتمبر 2017

أوهام رغبة الاستحواذ على المقدّس

رغبة  الاستحواذ على المقدّس ترواد أغلب المتدينين، ومُتعتهم في ذلك لا يمكن الاستهانة بها فهي وقود البحث والمغامرة من أجل الحصول على كل ما يكرّس الاقتراب والاستحواذ على علاقة خاصة بالمقدّس.

قبل سنوات كنت مستسلما لفكرة أن فلسطين هي أرض قصص اﻷنبياء، وانطلقت من هذه المسلّمة أبحث عن جغرافيا قصص اﻷنبياء مستعينا بالنص القرآني، لا أخفي أني كنت أفعل ذلك تحت رغبة الاستحواذ على المقدس، وكشف أسراره والحصول على بركاته. ومن بين المواضيع التي كنت أبحث عنها فك لغز المكان الشرقي الذي انتبذته مريم (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (16) سورة مريم)، والذي وضعت فيه ابنها بالقرب من جذع نخلة وعين ماء.

دير مار سابا بين 1900 و 1920



فكان دير مار سابا المطلّ على وادي الجوز الواقع شرقي القدس (وليس جنوبها كما هو حال بيت لحم) أفضل مكان لهذه القصة، ولم يكن من السهل الاقتناع بأن وجود نخلة ونبع ماء داخل الدير  هو من قبيل الصدفة، ﻷن تلك النخلة هي الوحيدة في المنطقة، ورغم أن النخلة الكبيرة الظاهرة في صور الدير القديمة لم تعد موجودة إلا أن نخلة أخرى صغيرة تنمو مكانها.


نخلة دير مار سابا

بئر مار سابا



عندما سنحت لي فرصة زيارة فلسطين، كان دير مار سابا أحد أهم المواقع التي كنت أرغب في معاينتها، ذهبت إلى المكان، جلست في الكهوف المجاورة، ونزلت إلى الوادي وصعدت إلى الجبل المقابل للدير وتأملت المكان جيدا، ثم صعدت إلى الدير وطرقت الباب وطلبت اﻹذن بالدخول وزيارة المكان، لكن الراهب وبنظرة تعجّب رفض طلبي بالنزول إلى أسفل الدير حيث النخلة، أو الحصول على شربة ماء من النبع  ولم يرُق له أن أطلب ذلك.

نخلة مار سابا الصغيرة


دير مار سابا



لم تشفِ تلك الزيارة غليلي، وواصلت البحث في الكتب وعلى الشبكة العنكبوتية، ووحدها القراءة  جعلتني أكتشف أن المسلّمة التي انطلقت منها كانت خاطئة  وأن وهم امتلاك الحقيقة سيدفعك إلى خداع نفسك وتصديق أي شيء.. النخلة الموجودة في أسفل الدير تمت زراعتها قبل مئات السنين، وكلما ماتت يتم استبدالها بأخرى، والماء الذي في اﻷسفل ليس إلا ماء بئر تُملأ بمياه اﻷمطار عبر قنوات وضعها رهبان الدير الذي لا تصله خطوط المياه ولا  الكهرباء ولا الاتصالات ولا تدخله النساء أيضا حتى يتفرغ الرهبان للعبادة فقط.




كهوف مار سابا



قررت بعدها الرجوع خطوات إلى الخلف، خلف كلّ المسلّمات، والارتقاء إلى أعلى عبر البحث وتنويع مصادر القراءة، من أجل الحصول على صورة أشمل وأكثر قربا من الضالة المنشودة: الحقيقة.

لقد سيطرت رغبة الاستحواذ على المقدس على العلماء التوراتيين فراحوا يجوبون المنطقة بحثا حاملين التوراة في يدّ ومعولا في اليد اﻷخرى، فكان النص هو دليلهم لتعريف اﻵثار ولترجمة النقوش والسجلات لتتلاءم اﻷسماء والأحداث فيها مع النص، والنتيجة كانت تاريخا وجغرافيا تعجّان بالتناقضات، تم استغلالهما سياسيا لزرع كيان غريب عن المنطقة وتاريخها، مما تسبب في زعزعة اﻷمن والاستقرار في المنطقة والتسبب في حروب وكوارث لحقت ولا زالت ببلدانها وشعوبها.

لكن الفرضية المسلّم بها بأنّ فلسطين هي أرض الحدث التوراتي سقطت تحت مطارق البحث العلمي وعلم اﻵثار، فقد أثبتت اللُقى اﻷثرية، بأنه لم يحدث خروج جماعي من مصر القديمة، ولم يحدث غزو على فلسطين ولم تكن هناك مملكة عظيمة والقدس لم تكن موجودة وقتها، وفلسطين كان بها حاميات عسكرية تابعة لمصر القديمة وغيرها من اﻷدلة اﻵركيولوجية التي تنسف حدوث  قصص التوراة في فلسطين، ولا يتمسك بهذه الفرضية إلا شخص متديّن تأسره رغبة الاستحواذ على المقدس، أو باحث يخشى الاعتراف بأنه قد قضي سنيّ عمره بحثا عن وهم، أو من لا يكترث لكون هذه المسلمة حقيقة أو وهمًا.

عدم حدوث قصص التوراة في فلسطين، يعني إما أنها مجرّد أساطير لم تحدث لا في فلسطين ولا في غيرها، وهذا ما ذهب إليه بعض علماء الآثار اﻹسرائيليين والغربيين، أو أنها حدثت في مكان آخر، وهذا ما ذهب إليه عدد من الباحثين العرب.

القسم اﻷول من الباحثين العرب يدفعه في ذلك الرغبة في الاستحواذ على المقدّس تماما مثل علماء التوراة مما سيعرضهم إلى انتهاج وسائل غير علمية في أبحاثهم،  والقسم الثاني همّه إعادة كتابة تاريخ المنطقة بشكل علمي وتحريرها من التاريخ الخاطئ الذي ألصق بها اعتمادا على التاريخ التوراتي والذي تسبب في أغلب الحروب والكوارث التي ألمّت بها.

ونقطة الخلاف الجوهرية بين القسمين، هو أن اﻷول همّه العثور على جغرافيا قصص اﻷنبياء، والثاني يريد تصحيح التاريخ، ولا شك أن إعادة كتابة تاريخ المنطقة لا تخلو من مخاطر، فالبحث عملية تجريبية تحتمل الصواب كما تحتمل الخطأ، واحتمالات الوقوع في الخطأ كبيرة جدا خصوصا في التجارب اﻷولى، كما  أن محاولة تغيير المسلمات التي اكتسبت قدسية مع مرور الزمن ستُقابل بمعارضة شديدة من الذين يرفضون اﻷفكار الجديدة  أو من الكسالى الذين دأبوا على وضع كل ما لا يعجبهم تحت مظلة نظرية المؤامرة، أو ممن يخشون التغيير وهم برأيي محقون في خشيتهم ﻷن تغيير تاريخ المنطقة أشبه بعملية جراحية خطيرة مفتوحة على احتمالات مختلفة.

لو أن المستقبل ليس رهينة الماضي والحاضر لما احتجنا لتصحيح التاريخ، لكن من أجل مستقبل أفضل  وأكثر أمنا ورخاء ﻷبناء المنطقة والعالم لا مفر من إعادة كتابة تاريخ المنطقة بطريقة علمية بعيدة كل البعد عن رغبات الاستحواذ على المقدّس، فهذا التاريخ المشوّه قد أنهك الجميع ويجب التخلص منه، ويجب التخلص من أوهامه، فلا يمكن أن يكون للصهاينة حق لا في فلسطين ولا في غيرها، ولن تكون نتائج إعادة كتابة تاريخ المنطقة إلا في سياق عملية تحرُّر من التاريخ التوراتي.