الأحد، 24 يناير 2016

قصر عمره الأموي رموز حاضرة وأخرى غائبة وتاريخ لا يشبه التاريخ

قصير عمره الأموي في الأزرق (85 كم شرق العاصمة الأردنية عمّان)، يُجمع علماء الآثار أنه شُيّد بين 80 و 105 للهجرة، وبعض فرق الآثار تقول أنه كان للوليد بن عبد الملك، وبعضها الآخر يقول أنه كان للوليد بن يزيد بن عبد الملك وكان يستخدمه عندما كان وليا للعهد في فترة حكم هشام بن عبد الملك.




جدران القصير (تصغير قصر) من الداخل وأسقفه كلها عبارة عن مجموعة فريدة ورائعة من اللوحات الفنية، سأحاول في هذه التدوينة تسليط الضوء على أكبر عدد ممكن منها.

القصير ينقسم لقاعة رئيسية يعلوها سقف من ثلاثة أقواس كما هو واضح في الصورة أعلاه، وفي آخر القاعة توجد حجرتان صغيرتان، وعلى الجانب الأيسر يوجد باب يؤدي لحجرات أخرى تؤدي إلى غرفة حمام.
وخارج القصر يوجد بئر كبير وحمام بركة حمام خارجي.


اللوحة الجدارية الأشهر من بين لوحات القصر هي لوحة السيدة في الحمام وهي تتوسط لوحة لملوك ستة ولوحة لألعاب رياضية.

تتكوّن اللوحة من صورة لمرأة عارية تقف على حافة حوض استحمام، وخلفها رجل، وعلى اليسار حشد من الرجال يشاهدون الحمام، في مقدمتهم سبعة وجوه وأحدهم يشير بأصابعه إلى المرأة في الحمام، وفي أقصى اليمين نافذة صغيرة، تطلّ منها مرأة أخرى.


الصور التالية هي صورة عامة للوحة، وصور مقرّبة لمختلف عناصرها.









واللوحة الثانية والتي استوقفتني كثيرا هي لوحة الملوك الستة، والتي كنت قد شاهدت صورها وقرأت عنها قبل الذهاب إلى القصر، لكن الرؤية بالعين المجردة تختلف تماما عن الصور.

اللوحة طالها الكثير من الضرر، وهي بحسب كل المراجع لستة ملوك، ألقاب أربعة منهم ظاهرة وقد كتبت بالعربية والإغريقية، واثنان ليسا ظاهرين، وهم: إمبراطور الصين، الحاكم الساساني، إمبراطور بيزنطة، ونجاشي الحبشة، القوطي رودريك والخاقان التركي.

قد لا يكون واضحا معنى هذه اللوحة أو سبب وجودها في قصر أموي، لكنها ومع لوحات القصر الأخرى تدعو للكثير من التفكير وإعادة النظر في التاريخ المكتوب الذي وصلنا.

الصورة الأولى من تصويري، والصورتان الأخريان هما تصوران لترميم جزئي وكلي للوحة.





بجانب لوحة الملوك الستة، لوحة لا تقل أهمية:

رجل يرتدي ملابس فخمة تحت خيمة (على الأغلب يمثل الخليفة أو الملك)، وبجانبه طفلتان وكاتب وجارية تحمل مروحة.

في أعلى اللوحة طائرا طاووس ويظهر فوق الأيسر منهما الأحرف (APA) ومعناها غير معروف، وفوق الأيمن كلمة (NIKH) والتي تعني النصر بالإغريقية.
تحت صورة الرجل توجد لوحة كتب عليها بالخط الكوفي على ثلاثة أسطر:
- بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا
- الله وحده لا شريك له
- الله ... الله
الصورتان أسفله  واحدة للوحة، والثانية تخيّل لشكل اللوحة بعد الترميم.









على القوس المقابل للحائط الذي رُسمت عليه صورة الملوك الستة في قصر عمره الأموي في الأزرق، توجد لوحات لعازفين.

الصورة الأولى على الطرف الأيسر للقوس لعازفات (على آلة وترية، وآلة نفخية، وآلة إيقاعية) وراقصة، وعلى الطرف الأيمن لمرأة متكئة وبجانبها ما يشبه الملاك الطائر.

أوضعت هنا الصورتين ومعهما صور متخيلة لهما بعد الترميم.
مصدر صور الترميم المتخيلة من فيديو عن قصر عمره باللغة الإسبانية:
https://www.youtube.com/watch?v=-upxMG-_edQ









وفي ذات القاعة لوحات رائعة الجمال لغزوات صيد، ولوحة لمصارعين، تعكس نمط الحياة الذي كانت تعيشه الفئة الحاكمة في الدولة الأموية، ومدى اهتمامها بالرياضة والصيد.

الجدارية الكبيرة أدناه تمثل عملية صيد لقطيع من الحمر الوحشية وإيقاعها في شبكة صيد، والجداريات الأخرى تمثل عمليات صيد لحمر وحشية ولحيوانات أخرى، ويظهر فيها استخدام الخيول والكلاب للصيد، بالإضافة لأشكال الصيادين وسماتهم وأزيائهم.

الصورتنا الأخيرتان متخيلتان لعملية ترميم جدارية الصيد الكبيرة
















مقابل لوحات الملوك والصيد توجد أكبر جدارايت القصر  رُسمت على سقف إحدى حجراته الثلاث الرئيسية ذات الشكل نصف الأسطواني، وعلى أربعة صفوف متوازية وفي كل صف ثماني لوحات، خُصِصت للعمال الذين شيّدوا هذا البناء:

حدادون، نجاورن، وبناؤون في صور مختلفة وبشكل متسلسل لمراحل عملهم.

هذه الجدارية ليست عادية، فبالإضافة لكونها تُظهر شكل وأزياء العمال في ذلك الوقت فهي تطرح تساؤلا عن سبب وضعها مقابل جدار عليه صور ملوك!

الصور أدناه من تصويري، وأخرى متخيلة لشكل اللوحات بعد الترميم.














في آخر القاعة الرئيسية توجد غرفة العرش، وهي تعكس الكثير من الفخامة وتحمل رموزا دينية يصعب تفسيرها بالمعطيات المتوفرة حتى الآن.

تتكون الصورة من عرش في الوسط يجلس عليه شخص وتحيط برأسه هالة دائرية وعلی جانبيه شخصان يحملان بأيديهما مراوح أو ما شابهها، وقد كُتب في الأعلى "ولي عهد المسلمين والمسلمات" وبقية الكلمات غير ظاهرة بسبب الضرر الذي أصاب اللوحة. ويحيط بالعرش رسومات للكثير من الطيور.

هذا العرش فوق الماء، وفي الماء رُسِمت أسماك وقارب وشبكة صيد.

هذا الجزء من اللوحة مفقود وقد نقله الرسام الألماني مييليش إلى متحف بيرغامون في برلين في مطلع القرن الماضي.


يحيط بلوحة العرش من الجانبين لوحتان جداريتان لكثير من الرجال والنساء لما قد يكون حاشية الحاكم، وفي سقف غرفة العرش صورة مركبة يصعب تحليلها حاليا لكثرة ما تحتويه من رموز.

(يمكن مشاهدة الصورة الكاملة مركبة في الصورة أدناه بالأبيض والأسود)

الصور أدناه تشمل صورا من تصويري وصورا أخر ى تمثل نماذج متخيلة لترميم الجدارية.

المراجع:











اللوحات التالية ذات مضمون جنسي، وهنا تجدر الإشارة إلى أن  بعض فرق الآثار تقول أن هذا القصر كان للوليد بن عبد الملك، وبعضها الآخر يقول أنه كان للوليد بن يزيد بن عبد الملك وكان يستخدمه عندما كان وليا للعهد في فترة حكم هشام بن عبد الملك.


للأسف بعض اللوحات تعرضت لضرر شديد وتخر يب واضح، وبعضها الآخر (خاصة الموجود في مكان مرتفع) تعرض لضرر أقل.










في منتصف الجدار القائم يسار القاعة الرئيسة يمكن الدخول إلى حجرات تؤدي إلى غرفة الحمام.


الغرفة الأولى ذات سقف نصف أسطواني رسمت عليه ثلاثة وجوه رئيسية وهي الظاهرة في الصورة الأولى أدناه، 
وصور حيوانات وطيور منها الغزلان ومالك الحزين وهي على الأغلب تمثل حيوانات البيئة المحيطة بالقصر والتي أغلبها لا زال موجودا الآن في محمية الأزرق الطبيعية القريبة من القصر، وصور راقصين وعازفين وأكثر ما يلفت الانتباه  فيها صورة الدب العازف على آلة وترية.


















الثلاثة وجوه هي برأيي الأهم في هذه الحجرة وهي لشاب في مقتبل العمر وشخص أكبر (يحتمل أن يكون رجلا أو امرأة) وعجوز كتفه الأيمن عارٍ، وتحتمل ثلاثة إحتمالات:
- أنها تمثل دورة الحياة: صبي وشاب ورجل عجوز
- ثلاث شخصيات دينية وقد تكون لأنبياء خصوصا وأنه في الحجرة الرئيسة توجد لوحة فوق لوحة الملك تحت الخيمة كُتب عليها يونس (Jonah)
- أما الاحتمال الذي أقترحه وأعتقد أنه الأقوى، أن هذه الصور لعبد الملك ابن مروان (العجوز) واثنين من أبنائه أو أحد أبنائه وأحد أحفاده، خصوصا وأننا نملك صورًا لعبد الملك بن مروان من القطع النقدية الأموية مثل التي تظهر فيها صورته وقد كُتب عليها فلسطين - إيليا، وتمثاله الذي كان قائما في قصر هشام في أريحا، كما هو موضح في الصور المرافقة.





وعلى جانبي الحجرة جداريتان لا تقلان غرابة، الأولى لشخص عار يمسك ذقنه ويشاهد جسدا نائما أمامه وبجانبه ملاك طائر أو ما يعرف بإيروس (ُEros) مجنح وهو إله الحب والرغبة والجنس في الميثولوجيا اليونانية، والثانية لرجل وامرأة عاريين متقابلين يشاهدان بعضهما البعض وبينهما النافذة.










وأخيرا صور للغرفة الساخنة لحمام القصير.
الصور الأولى من الغرفة الدافئة (tepidarium) وهي لوحات لنساء وأطفال داخل الحمام، وهي مزينة بصور أخرى لأسود وأرانب وأوراق أشجار وقطوف عنب، والصور التالية من الغرفة الساخنة وتحديدا لقبتها التي يعتقد أنها أقدم تمثيل كروي لشمال السماء والأبراج (zodiac and northern sky).

القبة رغم ارتفاعها الشاهق، إلا أنها تعرضت للكثير من التخريب، وهو واضح من خلال الأسماء التي حُفِرت عليها (أستغرب جدا من الأشخاص الذين تحملوا عناء التسلّق إلى أعلى للقيام بهذا التخريب).

الصور الأخيرة هي تخيّل لشكل القبة بعد الترميم.
















وهنا أطرح تساؤلا مهما، وأرجو من العارفين الباحثين، تزويدنا بإجابة موثقة شافية لهذا التساؤل:

يتضح من آثار القصور والمساجد الأموية وأبرزها قبة الصخرة، والجامع القبلي (الأقصى) وقصر هشام والمسجد الأموي، وقصر الحرانة وقصر القسطل وقلعة عمّان وغيرها وحتى قصور الأمويين الذين غادروا الشام بعد سقوط الدولة الأموية إلى الأندلس وأبرزها على الإطلاق قصر الحمراء في غرناطة وجامع قرطبة، أن هذه الفترة شهدت ازدهارا معماريا وفنيا لا يخفى على العين وتثبته هذه الآثار، وبالمقابل لم تصلنا كُتب من هذه الفترة، وكل المراجع التاريخية الموجودة ابتداءً من تاريخ الطبري كُُتِبت من العهد العباسي فما بعده. واللافت للنظر أننا لا نملك آثارا عباسية تعكس فن العمارة والتطور في زمن تلك الدولة.



فكيف لا نملك كتبا من المرحلة الأموية التي لا تزال آثارها الرائعة قائمة إلى يومنا، ولا نملك آثارا للمرحلة العباسية التي تزخر مكتباتنا بكتبها؟



#العقل_زينة

الخميس، 31 ديسمبر 2015

بين يوسف زيدان وعدنان إبراهيم وقصة آركولوف جدل تحضر فيه الحكايا ويغيب عنه الوجه الحقيقي للاحتلال

أثار ما أعلنه الدكتور يوسف زيدان عن حق اليهود في القدس وعن عدم قدسيتها عند المسلمين الكثير من ردود الفعل، وأسال الكثير من الحبر، وكانت أغلبها غاضبة انصبّ همّ أصحابها على إثبات أن القدس حق للمسلمين وليس لليهود، وكان رد الدكتور عدنان إبراهيم من على منبر مسجد في فيينا ثريًا بالمرويات والأدلة على ورود مصطلح "المسجد الأقصى" بمعانٍ مختلفة في المراجع قبل 250 للهجرة في ردٍ على تحدٍ رفعه يوسف زيدان في لقاء متلفز.

وبسبب اطلاعه الواسع،  وُفِق عدنان إبراهيم لاستحضار عدد من الأمثلة عن ورود مصطلحات: بيت المقدس والمسجد الأقصى في مراجع قديمة، وأغلبها معلوم لدى الباحثين والمهتمين بتاريخ فلسطين والقدس. لكن أكثر ما استوقفني ما ذكره عن شهادة رحالة من بلاد الغال إسمه آركولوف وردت في كتيب صغير يعود تاريخه لسنة 670 ميلادية، وينقسم لثلاثة أجزاء تتحدث عن رحلته إلى الأراضي المقدسة سنة  50 للهجرة، وأنه يشير  في الجزأ الأول من الكتيب إلى وجود مسجد للمسلمين مربع الشكل مصنوع من الأخشاب ويتسع لـ3000 رجل، على اعتبار أن هذا المسجد هو الذي أمر عمر بن الخطاب بإقامته بناء على ما أشار به عليه كعب الأحبار بإقامة المسجد مقابل الصخرة لكن عمر جعله بعد الصخرة في اتجاه مكة جنوبا

بحثت عن الكتاب وعن معلومات عن آركولوف، ولحسن الحظ أن مواقع كثيرة على الشبكة العنكبوتية تتحدث في الموضوع بلغات عدة منها الفرنسية والإنجليزية، قرأت بعض الصفحات باللغتين وعثرت على روابط لنسخ مترجمة من الكتاب، تصفحت الكتاب وتفاجأت من المعلومات التي وردت به،  وللتأكد من دقة النسخ المترجمة بحثت عن نسخة باللغة الأصلية التي كتب بها الكتاب وهي اللاتينية، واستعملت القواميس الفورية المتاحة على الشبكة لترجمة مقاطع من النسخة اللاتينية للتأكد من ورود مصطلحات بعينها في النسخة الأصلية وأن ورودها في النسخ المترجمة  لم يكن بسبب ترجمة في زمن لاحق. (ملاحظة: روابط الصفحات والكتاب والترجمات في آخر هذه التدوينة).

ملخص ما قرأته في هذا البحث السريع، هو أن آركولوف (Arculuf) هذا أسقف من بلاد الغال ذهب في رحلة للأراضي المقدسة، زار فيها القدس وبيت لحم أريحا والناصرة والقدس ودمشق والإسكندرية وغيرها ثم قفل عائدا، وأثناء رحلة العودة تعرضت السفينة لعاصفة هوجاء وضاعت وعبرت مضيق جبل طارق ورست بعد عناء على الشاطئ  الغربي لاسكتلندا حيث التقى بأب إيرلندي إسمه أدومنن (Adomnan)، حيث قص عليه آركولوف حكاية رحلته إلى الأراضي المقدسة، ودونها في كتاب لاحقًأ.


قطعة نقد أموية من عهد عبد الملك بن مروان كُتب عليها: فلسطين - ايليا



الكتاب لا يتحدث عن رحلة الذهاب، ويبدأ في بابه الأول بالوضع في جيروسالم وليس إيليا كما كان يطلق عليها في تلك الفترة وكما هو مثبت في القطع النقدية الأموية التي وصلتنا عن تلك الفترة (De situ Hierusalem , The situation in Jerusalem)، يصف أبواب المدينة ومواقعها بالنسبة لجبل صهيون (Montis Sion, Mount Sion)، ثم يتحدث أدومنن على لسان آركولوف عن سوق سنوي يقام في الخامس عشر من شهر سبتمبر (التقويم الميلادي) حيث يفِد حشد من الناس من أجل التجارة.

بيت الصلاة الخشبي عند الهيكل - من كتاب رحلة آركولوف


بعد ذلك وفي وصف لمكان الهيكل القديم (Templum , Temple) يصوّر بيتا للصلاة (Orationis domum, House of prayer) للسراسينس (Saracene, Saracens)  وهو حسب المراجع مصطلح كان يستخدم للتعبير عن سكان إقليم البتراء في العهد الروماني.

يتناول أيضا أدومنن في الكتاب قصة عن قطعة قماش مقدسة وضعت فوق رأس الرب المسيح في القبر،  يشب عليها خلاف بين اليهود والمؤمنين المسيحيين، وينتهي هذا الخلاف بتدخل ملك السراسينس معاوية (King of Saracens Mavias)    الذي أمر بإضرام نار ودعا أمام الحضور بإسم المسيح المخلص وألقى قطعة القماش في النار، لكن النار لم تلتهمها، وارتفعت وطارت وهبطت ببطئ عند المسيحيين.

ملك السراسينس معاوية وقصة قطعة القماش المقدسة - من كتاب رحلة آركولوف


وفي معرض حديثه عن دمشق يقول عنها أنها مدينة ملكية يحكمها ملك السراسينس وبها كنيسة أقيمت على شرف القديس يوحنا المعمدان وبها كنيسة يتردد عليها السراسنس غير المؤمنين (incredulorum Sarracenorum ecclesia , church of unbelieving Saracens)

وجّه مؤرخون غربيون انتقادات لهذا الكتاب منها أن المواضع المذكروة موصوفة بشكل غير دقيق، وأن صاحبه غير معروف ويعتبرون الكتاب من تأليف أدومنن، ويتستهجنون المعجزات التي يتحدث عنها وعن قصة رحلة السفينة الغريبة من البحر المتوسط مرورا بمضيق جبل طارق وصولا إلى غرب اسكتلندا.

لم ترد في الكتاب كلمة مسلمين واحدة، ولا إسم محمد –ص- ولا مصطلح مسجد ولا أقصى، وتحدث عن بيت للعبادة مصنوع من خشب يتسع لثلاثة آلاف رجل عند الحائط الشرقي وليس الجنوبي حيث يوجد الجامع القبلي، والكتاب يعتبر السراسينس شبه مسيحيين (Quasi Christians).

أتساءل هنا، هل حقا يريد عدنان إبراهيم الإستشهاد بهذا الكتاب المنسوب لـ"رجل دين" ليؤكد ليوسف زيدان أن هنك من ذكر وجود بيت للصلاة يصلي فيه السراسينس أشباه المسيحيين الذين يحكمهم ملك إسمه معاوية يدعو بإسم المسيح المخلص فوق مكان الهيكل مقابل جبل صهيون في العام 50 للهجرة!؟


وفي رد على ما ذكره يوسف زيدان عن حديث الواقدي عن مسجد أقصى في الجعرّانة، يورد عدنان إبراهيم حديثا من كتاب المغازي للواقدي ذاته، يقول فيه: وقالت ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، إني جعلت على نفسي، إن فتح الله عليك مكة، أن أصلي في بيت المقدس. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقدرين على ذلك، يحول بينك وبينه الروم. أي أن الواقدي تحدث عن بيت المقدس، لكن عدنان إبراهيم لم يكمل الحديث:  فقالت: آتي بخفيرٍ يقبل ويدبر. فقال: لا تقدرين على ذلك، ولكن ابعثي بزيتٍ يستصبح لك به فيه، فكأنك أتيته. فكانت ميمونة تبعث إلى بيت المقدس كل سنة بمالٍ يشتري به زيتٌ يستصبح به في بيت المقدس، حتى ماتت فأوصت بذلك. (رابط الصفحة من كتاب المغازي للواقدي: http://islamport.com/w/tkh/Web/332/350.htm )

فهل يُعقل أن يستبدل الرسول الصلاة بشراء الزيت؟ وهل يمكن عملا بهذا الحديث أن  يبعث الناس بأموالهم لشراء الزيت من القدس التي يحول بينهم وبينها الصهاينة فيكونوا بذلك وكأنهم أتوها!؟


الطرح الذي يتبناه يسوف زيدان حول أحقية اليهود في القدس دون المسلمين يعتمد بشكل مطلق على تاريخ إستشراقي مصدره قصص التوراة وتفسيرات رجال الدين لها وإسقاطها جغرافيًا على منطقة الشرق الأوسط وفلسطين تحديدا دون أن يكون في كل آثار المنطقة حجر واحد أو وثيقة تدعم هذا التاريخ، لكن هذا التاريخ التوراتي أصبح يُدرس أكاديميا على أنه تاريخ حقيقي، وأفضل مثال على على عدم دقة هذا التاريخ التوراتي هو أن أهم قصصه من خروج إبراهيم من العراق ودخوله فلسطين وقصة يوسف وخروج بني إسرائيل مع موسى ومملكتي داوود وسليمان رغم أهميتها كلها لم ترد في وثيقة واحدة من وثائق كل الممالك والإمبراطوريات التي تعاقبت على المنطقة، وهنا يقع على عاتق الأكادميين والمثقفين العرب إثبات زيف هذا التاريخ التوراتي الإستشراقي وليس تبني مواقف حاخامت صهاينة كالذي صرح به قبل سنة تقريبا الحاخام الرئيسي للجيش الصهيوني رافي بيرتس عن قدسية القدس عند اليهود دون المسلمين. (رابط للخبر: http://www.al-akhbar.com/node/220823 ).

وللأسف عندما أراد  عدنان إبراهيم أن يثبت أحقية المسلمين بالقدس اعتمد أيضا وبشكل مطلق على مرويات موروثة أطلقها رجال دين، وتمّ الانتفاع بها لأغراض سياسية، وهذه المرويات تصلح لمن يصدقون هذا الموروث من منطلق إيماني، لكن لا يمكن الاعتماد عليها عندما يتعلق الأمر بالموضوعية والنهج العلمي.

لقد قمت قبل سنوات ببحث حول قدسية القدس في الموروث العربي الإسلامي ولم أوّثقه لإدراكي لحساسية الموضوع،  وقد اعتمدت في بحثي نهجا علميا وتصفحت أغلب المراجع العربية، وتتبعت المرويات وكيفية تكرارها بصيغ مختلفة على سلّم الزمن، وتفاجأت عندما اكتشفت أن أهم المرويات التي يُعتمد عليها في هذا الموضوع ترجع لثلاثة أشخاص، هما اليهوديان كعب الأحبار ووهب بن منبّه والنصراني تميم الداري، ,وتم اعتماد أحاديثهم  تحديدا في تقديس الصخرة وتحديد المكان الذي صلى به الرسول بالأنبياء عليهم السلام، وقدسية المنطقة بشكل عام، ووصلت في النهاية لنتيجة أن تصديق هذه المرويات يندرج تحت بند الثقة في الموروث وليس من باب الدليل العلمي.

إن هذا الجدل الدائر بين الدكتورين يوسف زيدان وعدنان إبراهيم حول أحقية اليهود أو المسلمين في القدس مهما اختلفت زوايا الرؤية إليه، يندرج تحت تكريس طبيعة الصراع الديني على فلسطين، وفي حين أن المنطق يقول أنه في ظل عدم وجود أدلة حقيقية على هذه المزاعم بالأحقية الدينية سوى مرويات فالأجدر أن يتم التعامل مع القضية الفلسطينية بواقعها وباعتبارها قضية احتلال قامت بها جماعات صهيونية من جنسيات مختلفة لا يربطها أي رابط مع جماعة عاشت قبل آلاف السنين، ولا يحق لها أبدا الاعتداء على حقوق الشعب الذي يسكن هذه الأرض منذ القِدم.

الفلسطيني لا يدافع عن حقه الديني في فلسطين، وإنما عن حقه في العيش والعمل والنوم والأكل والشرب والعبادة والرقص على أرضه، تماما كما تفعل كل شعوب المعمورة.

أتمنى من كل قلبي أن يكف الدكتوران عن هذا الجدل الذي لا طائل منه والذي لن ينفع الفلسطينيين أبدا في تحرير وطنهم من الاحتلال الصهيوني.

الروابط:
صفحة تعريفية بأركولوف باللغة الفرنسية: https://fr.wikipedia.org/wiki/Arculfe
صفحة تعريفية بالأب أدومنن بالفرنسية: https://fr.wikipedia.org/wiki/Adomnan_d%27Iona
رابط كتاب باللغة الإنجليزية عن الساسينس (الشرقيين) يتناول في بعض أقسامه كتاب أدومنن عن أركولوف ورحلته: https://books.google.jo/books?id=qmAYkuZnMMQC&dq=quasi+christian+arculf&hl=ar
نسخة إلكترونية  باللغة الإنجليزية لكتاب الأراضي المقدسة لأدومنن عن رحلة آركولوف: http://users.skynet.be/Melissalatina/archivum/133/texte.htm

نسخة الكترونية باللغة اللاتينية لكتاب الأراضي المقدسة: https://la.wikisource.org/wiki/De_locis_sanctis
نسخة الكتروني لكتاب "The library of the Palestine Pilgrims' Text Society" الذي يتناول كتاب الأرضي المقدسة لأدومنن: http://www.archive.org/stream/libraryofpalesti03paleuoft/libraryofpalesti03paleuoft_djvu.txt

نسخة مصورة من كتاب أدومنن عن رحلة آركولوف باللغة الإنجليزية: https://archive.org/stream/libraryofpalesti03paleuoft#page/n0/mode/2up




السبت، 26 ديسمبر 2015

هكذا يلبس يوسف زيدان بدلة العلماني ويتحدث بلسان حاخام

أثارت في الآونة الأخيرة تصريحات ليوسف زيدان عن حق اليهود في القدس لغطا كبيرا وتفاوتت ردود الفعل بين الانفعال والتأييد  النابعين حتما من عواطف دينية لا علاقة للعقل والمنطق بها، هنا سأتناول هذه التصريحات بشكل موضوعي وموجز وبعيد عن العواطف الدينية.

يمكن تلخيص ما يقوله زيدان في النقاط التالية:

- اليهود العائدون من السبي أقاموا معبدا كبير في بلدتهم الصغيرة بيت همقداش (أورشليم) والتي سكنها قبلهم جماعات كنعانية ويبوسية.
- سنة 70 ميلادية دمر قائد روماني إسمه تيطس المدينة الصغيرة أورشليم (بيت المقدس) والتي بالغ اليهود في الحديث عن عظمتها وحطّم معبدها المسمى هيكل سليمان بسبب مكر اليهود وحديثهم عن المخلص القادم ورغبتهم في إقامة دولة دينية.
- سنة 135 ميلادية أزال الإمبراطور الروماني "إيليوس هادريانوس" البقايا الباقية من بلدة أورشليم وأقام مدينة إيلياء وصارت مدينة مسيحية وشيدت فيها لاحقا الإمبراطورة هيلانة كنيسة القيامة.
- وبعد ذلك صارت المدينة عربية مسلمة.


وبحسب زيدان يمكن اختصار تاريخ مدينة القدس في أنها:

- عربية مسلمة لمدة ألف سنة تقريبا
- سريانية آرامية مسيحية لمدة 800 سنة تقريبا
- عبرية يهودية لمدة 500 سنة تقريبا
- فلسطينية لعدة قرون (البلستيون القادمون من البحر)
- يهودية لعدة قرون
- كنعانية لعدة قرون


- ويضيف أن المكر اليهودي يدفعهم في عصرنا لشن حرب دينية بدعوى أنهم يطهرون الأرض ليتحقق وعد الرب الذي قد تحقق في نظر زيدان وأن ما يقومون به هو بطش وعمل لا ديني يخالف وعد الرب، وأن خوض الحروب بين من يسكنون الأرض من عرب (يقصد زيدان الفلسطينيين)  وعبرانيين (يقصد زيدان بها الصهاينة) هو عمل أحمق.



- وأن القدس ليست مدينة مقدسة للمسلمين، وأن المسجد الأقصى في القدس ليس هو المقصود بآية الإسراء وإنما المقصود بها مسجد بالجعرانة قرب مكة ورد ذكره في كتب عربية، وأن المسلمين قدسوا المدينة بناء على تقديس اليهود لها.



يمكن استخلاص مما سبق أن يوسف زيدان يتبنى القصة التوراتية (الإستشراقية) ولكنه يتعارض معها في التفاصيل كالقول أن المدينة كانت صغيرة وليست عظيمة كما يزعم اليهود، ويقرّ بأن ما حدث هو تحقيق لوعد الرب لكن مكر اليهود دفع المسيحيين للقضاء على مدينتهم وبناء قدسية لهم فيها  تماما كما فعل المسلمون بعد ذلك، وفي النهاية الفلسطينيون الحاليون واليهود لهم حق في المدينة.



المعلومات التالية وإن كانت مزعجة لأتباع الديانات الثلاث لا تخفى على الباحثين الجادين في تاريخ القدس وفلسطين:



- لا يوجد أثر واحد في فلسطين يعود لمملكة داوود أو سليمان أو هيكل أو أي شيء آخر له علاقة بقصص التوراة

- لا يوجد أثر واحد في فلسطين له علاقة بقصص المسيح، وأن كنيسة القيامة القدس وكنيسة المهد في بيت لحم بنيت بعد مئات السنين من الوقت المفترض لميلاد المسيح
- لا يوجد أثر واحد في فلسطين له علاقة بقصة الإسراء والمعراج وأن قبة الصخرة بنيت سنة 72 للهجرة وأن الجامع القبلي بني سنة 95 للهجرة بناء على روايات وقصص وتفسيرات ربطت بين سورة الإسراء والمدينة

إيمان أتباع الديانات بقدسية المدينة نابع فقط من تصديقهم للقصص التي ورثوها وليس متربطا البتة بآثار، وهذا الإيمان المطلق بالموروث يدفع أتباع كل ديانة لمواجهة أي تعرض لهذه المقدسات أو حتى لفكرة قدسيتها مما قد يؤدي إلى نشوب صراعات دموية.


وبما أنه لا توجد آثار في فلسطين يمكن الاعتماد عليها لتأكيد القصص الدينية للديانات الثلاث فالعقل والمنطق يستوجبان إسقاط البعد الديني والتعامل مع ما يحدث بإعتباره احتلالا استيطانيا من عصابات صهيونية مختلفة الأجناس لأرض شعب عُرِف تاريخيا بإسم الفلسطينيين، وليس تبني القصة التوراتية كمرجع رئيس لوضع تاريخ للمدينة والمنطقة كما يفعل يوسف زيدان وفعل التوراتيون والمستشرقون من قبل.



يؤكد فاضل الربيعي بما لا يتعارض مع العقل بأن قصص التوراة تتحدث عن قبيلة عربية بائدة إسمها بنو إسرائيل عاشت في الجزيرة العربية ولا علاقة لهذه القبيلة بفلسطين ولا بالصهاينة الذين قدموا  بعد آلاف السنين من مختلف أصقاع الأرض ليحتلوا أرض فلسطين، وهذا المبدأ ذاته ينسحب على أي قصص تؤسس لحق ديني لأي طرف في أرض فلسطين، فكل تلك القصص سواء كانت حقيقية أو أسطورية هي قصص قديمة لا يمكن إستحضارها من الماضي السحيق ليدفع ثمنها أبناء الحاضر والمستقبل.



ورغم أن يوسف زيدان يزعم بأنه يعارض  الطابع الديني لما يحدث في فلسطين، إلا أنه يريد أن نصدق القصة الدينية إلى الحد الذي يعطي لصهاينة يهود في القرن الواحد والعشرين حقا في أرض فلسطين بناء على قصص عن قبيلة عاشت قبل آلاف السنين ثم يطالب بتفريغ الصراع من الطابع الديني والقبول بفكرة العيش المشترك بين العبريين على حد قوله (الصهاينة) والعرب (أي الفلسطينينن) على هذه الأرض التي يعتبر أن لهم فيها حقا مشتركا، وأن عدم إقتناعهم بهذه الفكرة يجعل منهم حمقى في نظره!



يوسف زيدان شاء أم أبى يترديده للقصة التوراتية الإستشراقية وإقراره بحق اليهود في فلسطين يرسّخ البعد الديني لإحتلال فلسطين ويشارك في جعل هذا الصراع دينيا لا نهاية له، فهل يقبل يوسف زيدان أن تدعي جماعة في هذا العالم أن لها حقا دينيا في مصر؟


الفلسطينيون شعب سرق رجال الدين والمؤرخون تاريخهم، فلا تكاد كتب التاريخ تذكرهم وإن ذكرتهم فتجعل منهم الأعداء الغزاة، فأي تاريخ وأي تلفيق هذا؟


الفلسطينيون ليسوا استثناء عن شعوب الأرض، فهم لا يدافعون عن حقهم الديني في أرضهم  وإنما عن حقهم كأي شعب في هذا العالم في أرضه.


لمن يريد التحقق من كلام يوسف زيدان، الرابطان أدناه لتبيانين من خمسة نشرها على صفحته على الفيسبوك لتوضيح وجهة نظرة في موضوع القدس:



التبيان الأول فى المسألة المقدسية . . عن المكر اليهودى :

https://www.facebook.com/youssef.ziedan/posts/10153444157933640


التبيان الثانى فى المسألة المقدسية . . عن أصل المعراج :

https://www.facebook.com/youssef.ziedan/posts/10153445835173640


للراغبين بتناول وجهة نظر علمية موثقة بالأدلة، يمكنهم العودة للتدوينات التالية على مدونة العقل زينة وهي:

- فلسطين ليست أرض قصص التوراة: ملخص كتاب التوراة اليهودية مكشوفة على حقيقتها لعالم الآثار الصهيوني إسرائيل فنكلشتاين ونيل سيلبرمان، وهو كتاب يثبت بدليل الآثار عدم إمكانية حدوث قصص التوراة في فلسطين:
http://el3a2elzineh.blogspot.com/2015/09/blog-post.html

- عن اختلاق اسرائيل القديمة وإسكات التاريخ الفلسطيني على أرض فلسطين للعالم التوراتي كيث وايتلام، والذي يثبت كيف تمت سرقة التاريخ الفلسطيني وصناعة تاريخ توراتي في المنطقة:
http://el3a2elzineh.blogspot.com/2014/05/blog-post_15.html

- مسرح أحداث التوراة ليس فلسطين ـ تحريف الأحداث عن مواضعها: أكبر كذبة في التاريخ، عن كتاب فلسطين المتخيلة لفاضل الربيعي، والذي يضح مسرحا جغرافيا بديلا يقبله العقل لقصص التوراة وهو في اليمن القديم. التدوينة تقدم مثالا على عمليات التدقيق التي قمت بها على الكتاب:
http://el3a2elzineh.blogspot.com/2013/03/blog-post.html

الأحد، 27 سبتمبر 2015

فلسطين ليست أرض قصص التوراة: ملخص كتاب التوراة اليهودية مكشوفة على حقيقتها لإسرائيل فنكلشتاين ونيل سيلبرمان


التواة اليهودية مكشوفة على حقيقتها، كتاب صدر في 2001 لعالمي الآثار إسرائيل فنكلشتاين ونيل آشر سيلبرمان، وهو كتاب ينتقد التاريخ القائم على القصص التوراتية مستندا على الموجودات الأثرية في فلسطين ومنطقة الشرق الأوسط، جازما بأن هذه القصص لم تحدث في الأزمنة التي نسبت لها وأن معظم هذه القصص كما يعتقد الكاتبان كُتبت بين القرنين الثامن والخامس ق.م أي بعد العودة من السبي البابلي .


إسرائيل فنكلشتاين بروفيسور في علم الآثار والتاريخ ويعمل في جامعة تل أبيب متخصص في العصرين البرونزي والحديدي (الفترة المفترضة توراتيا لدولتي داوود وسليمان) عمل على التنقيب في موقع مجدو (تل المتسلم قرب الناصرة) وهو صهيوني فخور بصهيونيته، ولم تُجدِ أبحاثه واكتشافاته ومصداقيته العلمية لتحويله عن الفكر الصهيوني القائم على اغتصاب فلسطين بصفتها أرضا الميعاد، وهو يقر بذلك في لقاء ضمن برنامج في الصميم لقناة بي بي سي (للمشاهدة يمكن فتح الرابط أسفله)




وسيلبرمان عالم آثار مؤرخ تدرب في الجامعة العبرية وعمل مع فنكلشتاين في تأليف كتاب التوراة اليهودية مكشوفة  على حقيقتها.

أهمية الكتاب تكمن في طريقة تناوله للآثار واعتبارها مكوّنا ماديا على أساسه يتم بناء القصة، وليست قطعا آثرية يتمّ تطويعها لتخضع للقصة التوراتية، بمعنى أن الِكتاب يستنبط من الآثار الظروف السياسية والإقتصادية والإجتماعية والعقائدية وتطورها في هذا المحيط الجغرافي، ومن ثمّ مقارنة النتائج بقصص التوراة، وليس كما كان يفعل المستشرقون وعلماء الآثار التوراتيون الذين كان ينقبون في مناطق المرتفعات (لأنها ترتبط بفكرة المستوطنات التي كان يعيش فيها بنو إسرائيل قديما) وكلما عثروا على تمثال قالوا تمثال أجدادنا وإن فتحوا قبرا قالوا قبر أجدادنا،  وإن عثروا على آنية قالوا آنية أجدادنا، ثم يسترسلون في الكذب وفي تأليف قصص ومن ثَمّ اسقطاها على أماكن في فلسطين باعتبارها أماكن وردت في التوراة.

سأورد في هذه التدوينة بعض أهم النتائج التي وصل إليها الكتاب اعتمادا على الآثار وعلى تحكيم العقل والمنطق في دراستها وتحليلها، ولاثراء التدوينة أرفقت مع كل نتيجة صورة من صفحات الكتاب، لكن ذلك لا يُغني عن قراءة الكتاب كاملا للمهتمين بالقضية الفلسطينية والمنشغلين بإيجاد حلٍ لها.

أول النقاط التي يشكك فيها الكتاب هي قصة الآباء وتحديدا قصة رحلة إبراهيم من أور ودخوله فلسطين في القرن 20 ق.م، فاعتمادا على أبحاث تنقيب  في تل جمه في النقب الغربي تم اكتشاف أن زيادة مثيرة في أعداد عظام وبقايا جِمال يعود للقرن السابع ق.م وليس قبل ذلك وأن هذه الجِمال بالغة تستعمل في القوافل وليست قطعانا تمت تربيتها محليّا.




الجمال لم تكن تربى قبل القرن السابع ق.م مما يتعارض مع قصة إبراهيم ودخوله إلى فلسطين بحسب التوراة

ونظرا للإختلاف الواضح بين طبيعة المنطقة وموجوداتها الأثرية والبيولوجية، فقد ذهب الكتاب أبعد في إنكار حدوث قصص سفر التكوين في فلسطين، عندما قال أن الحل لهذا اللغز  هو أن  تكون كتابة سفر التكوين قد تمّت بين القرنين الثامن والسابع ق.م وتمت صياغتها باستخدام وسائل الحياة المتاحة وقتها، وليس قبل ذلك.

الحل بنظر الكاتب هو أن تكون التوراة كُتبت في القرن السابع

ويقدّم الكتاب دليلا على ذلك بشكل منطقي ويقول أن اتخاذ حبرون (الخليل) التي ستكون المدينة الملكية الأولى لمملكة يهوذا هو نوع من تركيب قصص لا وجود لها بناء على ظروف راهنة، فيُصبح بذلك للمدينة بعد تاريخي وديني مُلهم.

عن التناقض بين القصة والمكان


مما دفع الكاتبين إلى الاعتقاد أن فكرة الخروج من أور (في العراق) هي لإعطاء سمعة كبيرة عن وطن أصلي  ومسقط رأس لأب عظيم وسلف قومي مشهور وفي ظل فترة كان السيادة فيها للإمبراطورية البابلية.

اختراع أب من أور

وهذا ما يؤكده الكتاب مرارا وتكرارا وعبر عنه بالأدلة، فهو يؤكد أن الآثار تقول أنه لم يكن  هناك آباء (إبراهيم، إسحق ويعقوب..)، ولا خروج من مصر، ولا غزو لكنعان، ولا حكم ملكي متحد (لأسباط بني إسرائيل) تحت قيادة داوود وسليمان، ويتساءل هل حقا إسرائيل التوراتية كان لها وجود من الأصل؟

الآثار ضد القصص

وبنفس الطريقة يتناول الكتاب قصة الخروج من مصر، ويبدأ بطرح السؤال هل عاش الإسرائيليون في مصر أساسًا وهم لا ذكر لهم  في كل نقوشها وكل وثائقها.


لا دليل على حضور الإسرائيليين في مصر

وبذلك سيكون من الصعب تصديق حدوث خروج أسطوري من مصر والسبب في ذلك ليس فقط عدم وجود إسرائيليين من الأساس في مصر بل لأن الحاميات المصرية المزوّدة بالمياه والعتاد كانت تملأ البلاد ومن المستحيل اختراقها بهذا الشكل، وتقدّم مسلّة مرنفتاح دليلا آخر على التناقض عندما تسجّل هزيمة نكراء تعرض لها ناس اسمهم "يسرائر" وكانوا خارج مصر.

وجود حاميات مصرية ينسف قصة الخروج، وعدم انسجام بين الرواية الترواتية ومسلة مرنفتاح

ثم يقدّم الكتاب دليلا آخر على كذب الإسقاط الذي قام به المستشرقون وعلماء التوراة، فقادش (قَدَس) برنيع الواردة في التوراة في سفر الخروج، والتي تمت مطابقتها مع أم القديرات شرق سيناء  لم تكن مأهولة قبل القرن السابع ق.م

قادش برنيع التي تم اسقاطها على أم القديرات شرق سيناء لم تكن مأهولة قبل القرن السابع ق.م

ويتابع الكتاب الاستدلال بالمنطقي، ويقول بشكل ساخر، حتى لو صدقنا حدوث الخروج فكيف تمكن رعاع  فوضوي بعد سنوات من التيه من الغزو والتغلب على قلاع كنعان (فلسطين) العظيمة وجيوشها المحترفة وفيالق عرباتها المدّربة.

كيف تمكن هذا الرعاع الفوضوي من التغلب على قلاع كنعان العظيمة
فكنعان في تلك الفترة التاريخية كما تؤكد الوثائق كانت مقاطعات تابعة إداريا للدولة القوية في مصر وكانت عاصمتها الإقليمية تقع في غزّة.

كنعان كانت مقاطعة مصرية عاصمتها غزة

ولو تجاوزنا كل العقل والمنطق وصدقنا أن ذلك حدث، فكيف تحوّل هؤلاء الرعاة من حياة الفوضى إلى حياة الزراعة والإستقرار؟

من رعاة في التيه إلى مزارعين مستقرين

ورغم كل المحاولات بتأليف قصة غزو أو تسلل سلمي لقبائل إسرائيلية في فلسطين إلا أن الآثار تقول غير وذلك وتؤكد أن من عاشوا وتطوروا في تلك الفترة في هذه الأرض هم ناس محليّون ولم يحدث أي تغيّر في نمط حياتهم.

لا خروج من مصر ولا غزو، من عاشوا في فلسطين في تلك الفترة هم من فلسطين

وأقصى ما يمكن أن يكون قد حدث هو ثورة فلاحين لسكان محليين ضد دول المدن  وليس دخولا لعنصر بشري جديد على المنطقة

ثورة فلاحين وليس غزوا

وبذلك تسقط كل النظريات التي كرست أشكال نشوء إسرائيل في فلسطين.


الآثار نسفت كل نظريات نشوء إسرائيل في فلسطين

وعند الحديث عن ملوك الحكم المتحد وهم شاول وداود وسليمان، فالمكتشفات الأثرية تتناقض تماما مع شهادة الكتاب المقدس، فلا توجد أي أدلة على وجود أي ملك أو أي بناء هندسي معماري تذكاري في المنطقة وفي القدس تحديدا والتي لم تكن إلا قرية صغيرة في تلك الفترة.

جدول يقارن بين المكتشفات الأثرية وقصص  التوراة


ويعترف هنا عالما الآثار أنه حدث استخدام للفخار والخزف الفلسطيني في حياكة قصة الفتوحات الداودية، وأن هذا ليس إلا سرابا خزفيا، وقد أكدت التنقيبات أن هذا النمط من الآثار الطينية لم يكن حكرا على منطقة معينة وإنما كان نمطا مشتركا في المنطقة ولسكانها.
سراب خزفي

وليس ذلك فقط بل تُقدّم التماثيل الدينية دليلا على عدم وحده الديانة، وبمعنى آخر على عدم وجود أي دليل على يهودية الدولة المزعوم.

الديانة لم تكن واحده!


مما يدفع الكتاب إلى طرح سؤال جريء، فبالرغم من كون فنكلشتاين صهيوني ومؤمن إلا أن التناقض بين الآثار والقصة التوراتية للتساؤل: هل داود وسليمان وُجدا؟

هل داوود وسليمان وجدا في فلسطين؟
وماذا عن ثروة سليمان الخيالية المذكورة في التوراة، فهي أقرب للخيال وأبعد ما تكون عن الواقع والآثار، فلا وجود لذكر لسليمان في أي نص تاريخي مصري أو لأي دولة في المنطقة.

ثروة أسطورية

لقد تم تزوير تاريخ المنطقة بشكل محترف ومتقن للغاية، فرغم أن الآثار تؤكد أن أنماط الحياة شرقي وغربي نهر الأردن كانت متشابهة إلا أن التاريخ التوراتي أسس إلى أن من كانوا شرق النهر هم من عمون وموآب وأدوم ومن كانوا غربه كانوا إسرائيليين، وأنه كانت هناك فروقات كبرة بين الجهتين.

نفس النمط غرب وشرق الأردن وليس كما تصف التوراة
ويعترف الكاتبان أن ما تم إسقاطه من أسماء قصص التوراة على فلسطين هي أسماء مواقع رئيسية، أما بقية الأماكن فبقيت مجهولة
المواقع الرئيسية بتغيير الأسماء والإسقاط، أما بقية الأماكن فلا وجود لها في فلسطين



ما قام به هذا الكتاب هو اعتراف ضمني بعدم حدوث قصص التوراة في فلسطين، لكن "صهيونية" فنكلشتاين منعته من إعادة التفكير في أحقية الصهاينة بأرض فلسطين، وبأن إنشاء  الكيان الصهيوني المسمى إسرائيل هو إغتصاب لأرض شعب آخر.


وهذا الاعتراف هو نصف الصورة، ولتكتمل الصورة يجب التعرف على النظريات التي تقدّمها أعمال كمال الصليبي وفرج ديب وزياد منى وكثير من الباحثين العرب عن جغرافيا بديلة لقصص التوراة والتي أثبتت وإلى حد كبير كتب فاضل الربيعي مثل "فلسطين المتخيلة" و "القدس ليست أورشليم" و "حقيقة السبي البابلي" أنها جغرافيا اليمن القديم، فعلى سبيل المثال لا الحصر قادش (قَدَس) برنيع التي تحدث عنها الكتاب وتمت الإشاره لها أعلاه وأكد استحالة أن تكون أم القديرات في سيناء، يضعها الربيعي في موقعها الجغرافي الذي يتناسب تمام مع القصة التوراتية في اليمن في مكان إسمه إلى يومنا هذا "جبل قَدس" وذلك مدوّن في كتاب فلسطين المتخيلة بالإضافة إلى ضبط كثير من المواقع والأسماء كما هي مرتبة تماما في التوراة.

 لكن تبقى كل هذه النظريات بحاجة  ماسة إلى دليل مادي هو آثار اليمن خاصة والجزيرة العربية والمنطقة عامة، والتي يجب أن يصرخ كل المهتمون بتصحيح التاريخ عاليا لحمايتها من الدمار والتخريب.



تصحيح التاريخ هو أحد أسلحة تحرير كل فلسطين واستعادة الحقوق الفلسطينية  كاملة غير منقوصة والتي لا يجب التفريط فيها، وعلى كل فلسطيني وكل مهتم بالقضية الفلسطينية وكل مناضل من أجل عودة السلام والأمن لفلسطين والمنطقة كلها أن يساهم في تصحيح تاريخها واستعادة ما زوره المستشرقون ورجال الدين والساسة والصهاينة وكل من تعاون معهم.

يجب أن تفقد القضية الفلسطينية طابع الصراع الديني وأن تأخذ طابعها الحقيقي والقابل للحلّ وهي أنها قضية احتلال.